إعادة تعريف الردع: كيف انتقلت إيران من الدفاع إلى المبادرة العسكرية

التاريخ: 10 حزيران 2026
إعادة تعريف الردع: كيف انتقلت إيران من الدفاع إلى المبادرة العسكرية

اخبار الجلسة متوفرة الآن مجاناً عبر خدمة واتساب... اضغط هنا

اضغط هنا

التزمت الجمهورية الإسلامية في إيران، منذ نشأتها عام 1979، بعقيدة ـ”الصبر الاستراتيجي”، والتزمت بشكل كامل بمبدأ “الدفاع عن النفس” والالتزام بالقانون الدولي، ولم يذكر التاريخ أن بادرت إيران بشنّ حرب، بل إن قتالها كان دائماً في معرض الدفاع عن النفس والحروب بالوكالة (حروب الظل).

حرب العراق والدفاع المتقدم
كانت أولى الحروب التي خاضتها إيران هي الحرب العراقية–الإيرانية والتي بدأت في أيلول 1980 حين قام العراق بقيادة صدام حسين بإلغاء اتفاقية الجزائر، وشنّ هجومًا جويًا وبريًا على الأراضي الإيرانية، مستهدفًا مطارات ومناطق حدودية. طبعاً، لم تأتِ الحرب من فراغ، بل سبقها بعض التوترات الحدودية، ويعزو الباحثون تلك الحرب إلى خوف صدام حسين من تصدير الثورة الإسلامية إلى العراق، ذي الأغلبية الشيعية.

أدّت الخسائر التي تكبدتها إيران في تلك الحرب، والكلفة البشرية والمادية إلى إعادة تقييم استراتيجية الأمن القومي الإيرانية، والتركيز على مبدأ “الدفاع المتقدم” وأخذ الحرب إلى ديار العدو، كبديل عن الحروب التقليدية التي يمكن أن تجري على الأرض الإيرانية.

ويشير التعمق بالسلوك الاستراتيجي الإيراني أن مبدأ “الدفاع المتقدم” هو مبدأ مستمر في الفكر الإيراني منذ ما قبل الثورة الإسلامية. ويمكن الإشارة إلى وجود المبدأ نفسه خلال حكم الشاه، فمثلاً مقولة المرشد الأعلى السيد علي خامنئي: “نحن نقاتل في حلب حتى لا نقاتل في كرمنشاه”، يمكن مقارنتها بتصريح الجنرال باشائي، مسؤول السافاك في عهد الشاه، الذي أكد: “نحن نقاتل في المتوسط لكي لا تُراق الدماء في إيران”. المقولتان تشيران إلى أن ضرورة تصدير القوة إلى الخارج لحماية الأمن الداخلي هي ثابت بنيوي لدى الإيرانيين.

الفارق أن الشاه سعى لتموضع إيران كقوة مهيمنة عبر التدخل العسكري المباشر كما في ثورة ظفار بعمان، بينما أعاد نظام الثورة الإسلامية صوغ هذه الضرورة تحت غطاء أيديولوجي، واستفاد من العبر بعد حرب مكلفة مع العراق.

والمفارقة، أن هذا المبدأ لا يقتصر على العصر الحديث، بل يرجعه بعض الخبراء إلى الإمبراطورية الساسانية (224-651م)، حيث اعتبر غزو كسرى أنوشيروان لليمن عام 570 خطوة استباقية لمنع التغلغل البيزنطي في البحر الأحمر.

نهاية المناطق الرمادية
بعد السابع من أكتوبر 2023، استمرت إيران بالتمسك بمبدأ الدفاع المقيّد، فقصف القنصلية الإيرانية في دمشق، ردّت عليه إيران بقصف مواقع عسكرية في “إسرائيل”، وحصل بعدها تبادل ضربات بين الطرفين، لكن إيران لم تكن يوماً هي المبادرة بالهجوم، بل اكتفت بالدفاع وردّ الفعل.

وبالرغم من قيام “إسرائيل” والولايات المتحدة بشن حرب على إيران في حزيران 2025، استمرت إيران باعتماد الصبر الاستراتيجي، والالتزام بالرد الدفاعي، بالرغم من أن تلك الحرب أشرت إلى نهاية حروب الظل بين إيران و “إسرائيل” ونهاية الحرب في المناطق الرمادية، في ظل تآكل تدريجي في فعالية معادلات الردع السابقة.

ومع تزايد التهديدات الداخلية والخارجية، صدر بيان أمانة مجلس الدفاع الإيراني في كانون الثاني 2026، مؤكداً أن إيران في دفاعها عن النفس “لا تحصر نفسها في الردّ بعد وقوع الفعل فحسب، بل تعتبر المؤشّرات الملموسة على وجود تهديد جزءاً من المعادلة الأمنية” وبالتالي سترد استباقياً. ومع ذلك، لم تفعّل إيران مبدأ الاستباق، وانتظرت الهجوم الأميركي- الإسرائيلي في شباط 2026، لتردّ وتدخل الحرب من بابها الواسع.

من الدفاع إلى المبادرة
سيؤرخ التاريخ يوم السابع من حزيران 2026، باعتباره يوماً مختلفاً في الإقليم، فلأول مرة تقوم دولة إقليمية بالمبادرة بقصف “إسرائيل”، متجاوزة “سلم التصعيد” التقليدي، لتكريس معادلة جديدة كلياً في الشرق الأوسط، لم تحصل من قبل. شكّلت الجرأة الإيرانية تحدياً مباشراً لـ”عقيدة بيغن” الإسرائيلية التي كانت تحتكر حق الاستباق في المنطقة.

لأول مرة يحصل توسيع لمفهوم الدفاع عن النفس الإيراني ليشمل الدفاع عن الحلفاء كامتداد للأمن القومي. ولعل المبادرة الإيرانية بقصف “إسرائيل”، تعكس التحولات في المقاربات الأمنية الإيرانية بعد الحرب الأخيرة، والجرأة العملياتية والاستعداد لتحمّل المخاطر، كما تشير إلى اقتناع إيراني بأن كلفة “الصبر الاستراتيجي” باتت تفوق كلفة التصعيد.

وهكذا، كرّست المبادرة الإيرانية بقصف “إسرائيل” مرحلة جديدة ومختلفة كلياً في الإقليم، حيث أعادت تعريف نطاق الردع، إذ لم يعد الاعتداء على الضاحية الجنوبية يُعامل كحدث محلي يخصّ لبنان، بل كخرق مباشر لمنظومة الردع المرتبطة بالمحور ككل.

بالإضافة إلى ذلك، برز تحوّل في وظيفة القوة الإيرانية من أداة ردع إلى أداة ضبط سلوك العدو؛ فالمبادرة بالقصف هنا تهدف إلى إعادة تثبيت “معادلات قوة” كانت قد فقدت خلال الأعوام 2023- 2026.

ليلى نقولا – الميادين

The post إعادة تعريف الردع: كيف انتقلت إيران من الدفاع إلى المبادرة العسكرية appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.

المصدر: Lebanon Files

شارك الخبر عبر منصات التواصل الإجتماعي

تم الاشتراك بنجاح!

إبق على علم بآخر الأخبار عبر الاشتراك بصحيفتنا الإخبارية