تصاعد في الأيام الأخيرة الحديث عن احتمال اجتياح بري إسرائيلي لجنوب لبنان، في ظل اتساع رقعة الحرب الإقليمية بعد الضربات التي استهدفت إيران وما تبعها من اشتباك مفتوح على الجبهة اللبنانية بين إسرائيل و”حزب الله”. وبين المؤشرات الميدانية والتحليلات العسكرية، يبرز سؤال أساسي: هل تتجه إسرائيل فعلاً إلى اجتياح واسع، أو أن ما يجري لا يتجاوز توغلات محدودة تهدف إلى فرض وقائع ميدانية جديدة قبل أي تسوية؟
المعطيات الميدانية توحي بأن الجبهة الجنوبية دخلت مرحلة مختلفة. فبعد أشهر من المواجهة المتقطعة منذ الحرب التي اندلعت في تشرين الأول 2023 وتحولت إلى مواجهة واسعة في أيلول 2024، عاد التصعيد بقوة مع اتساع الحرب الإقليمية، فيما تواصل إسرائيل خرق اتفاق وقف النار المبرم في تشرين الثاني 2024، توازيا مع غارات جوية مكثفة طالت الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق في الجنوب والبقاع.
في هذا السياق، بدأت القوات الإسرائيلية توغلا بريا محدودا في بعض مناطق الجنوب، تزامنا مع إنذارات لسكان القرى الحدودية بالإخلاء الى شمال نهر الليطاني. هذه التحركات أعادت إلى الواجهة سيناريو الاجتياح البري، وهو خيار لطالما شكّل أحد أكثر السيناريوات حساسية في الصراع بين إسرائيل ولبنان.
الخبير العسكري العميد المتقاعد بسام ياسين يرى أن المؤشرات الميدانية لا يمكن تجاهلها، مشيرا إلى وجود تحشيد عسكري كبير على الحدود، يضم ست فرق عسكرية بينها فرقتان مدرعتان تعدان من أبرز التشكيلات القتالية في الجيش الإسرائيلي. وبحسب قراءته، “تتمركز هذه القوات في وضعيات هجومية ودفاعية في آن واحد، وهو ما قد يشكل تمهيداً لتكثيف العمليات البرية على أكثر من محور داخل الجنوب”.
لكنه لا يربط بالضرورة هذه الاستعدادات بعملية فورية، إذ يلفت إلى أن “الظروف المناخية ربما لا تكون مناسبة حاليا لعملية برية واسعة، ما قد يدفع إسرائيل إلى تأجيل أيّ هجوم كبير إلى وقت لاحق”. وفي حال حصول العملية، يتوقع أن يعتمد الجيش الإسرائيلي أسلوب التقدم البطيء والمدروس، مستنداً إلى قصف جوي ومدفعي كثيف وطائرات مسيّرة قبل إدخال القوات البرية تدريجا، تفادياً لأي اختراقات سريعة قد تعرّض القوات المتقدمة لأخطار كبيرة.
في المقابل، يعتقد ياسين أن “حزب الله” استعد منذ فترة طويلة لمثل هذا السيناريو، معتمدا على تكتيكات حرب العصابات بدلا من الدفاع التقليدي الثابت عن الأرض. ويقوم هذا النمط القتالي على المناورة والتراجع التكتيكي عند الحاجة، مع التركيز على استنزاف الخصم وإلحاق خسائر متواصلة بقواته. ووفق هذا المنطق، فإن دخول الجيش الإسرائيلي الأراضي اللبنانية لا يعني بالضرورة تحقيق نصر عسكري سريع، بل قد يفتح الباب أمام معركة طويلة تستند إلى الصبر واستنزاف الخصم، وهو ما يراهن عليه الحزب في معادلة الجبهة الداخلية الإسرائيلية.
لا يوافق جميع الخبراء على فرضية الاجتياح الشامل في المرحلة الراهنة. فالخبير العسكري العميد المتقاعد هشام جابر يميل إلى اعتبار ما يجري حاليا “توغلا تكتيكيا أكثر منه مقدمة لاجتياح واسع”. ويرى أن إسرائيل “قد تستغل الظروف الراهنة، ومنها إخلاء القرى الحدودية من سكانها وتصاعد الحرب الإقليمية، لتحقيق أهداف ميدانية محددة بدلاً من خوض مغامرة عسكرية واسعة الكلفة”.
ويشير جابر إلى أن “أحد أبرز هذه الأهداف يتمثل في السيطرة على مرتفعات أو نقاط استراتيجية قريبة من الحدود، تضاف إلى النقاط الخمس التي لا تزال إسرائيل تحتفظ بها داخل الأراضي اللبنانية. فالطبيعة الجغرافية للجنوب تمنح الجانب اللبناني أفضلية إشراف ناري على الحدود، إذ تقع نسبة كبيرة من الحدود في مناطق مرتفعة داخل الأراضي اللبنانية، وهو ما سمح في المواجهات السابقة بمراقبة دقيقة للقوات الإسرائيلية واستهدافها من مواقع متقدمة”.
لكنه يحذر في المقابل من أن أيّ احتلال جديد لنقاط استراتيجية قد يؤدي إلى تكريس واقع أمني جديد على الحدود الجنوبية، ما يجعل إخراج القوات الإسرائيلية لاحقا أكثر تعقيداً.
بين هذين التقديرين، يبدو أن الجنوب يقف أمام مرحلة دقيقة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الاعتبارات السياسية. فإسرائيل قد تسعى من خلال أي توغل أو تقدم بري إلى فرض وقائع ميدانية جديدة يمكن استثمارها لاحقاً في أي تسوية سياسية، فيما يراهن “حزب الله” على استنزاف القوات الإسرائيلية وإطالة أمد المعركة لتحويل أي تقدم بري إلى عبء عسكري وسياسي على إسرائيل.
وبين خيار الاجتياح الشامل أو التوغل المحدود، تبقى الحقيقة الأوضح أن الجنوب عاد مرة أخرى إلى قلب الصراع الإقليمي، وأيّ خطوة ميدانية فيه لن تبقى محصورة ضمن حدود المعركة العسكرية، بل ستنعكس مباشرة على موازين التفاوض وشكل التسويات المقبلة في المنطقة.
اسكندر خشاشو-النهار
The post وقائع يمكن استثمارها في التسوية… توغل تكتيكي أكثر منه مقدمة لاجتياح واسع؟ appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.





