لقاء وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي، الأسبوع الماضي، مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سان بطرسبورغ، والذي استمر لأكثر من ساعة ونصف، يحمل دلالات خاصة في سياق العلاقات الإيرانية ـ الروسية.
وأشاد بوتين خلال اللقاء، بوتين بصمود الشعب الإيراني أمام العدوان الأميركي والإسرائيلي، واعتبره موضع إعجاب العالم بأسره. وبعد يوم من اللقاء، تواصل مع نظيره الأميركي دونالد ترامب وأعلن عن استعداده للوساطة بين إيران والولايات المتحدة، إلا أن ترامب ردّ عليه ساخراً بانه يفضل أن يركز على إنهاء الحرب في أوكرانيا بدل الوساطة بين أميركا وايران.
ضبط مستوى الصراع
يثور هنا سؤال جوهري: هل تسعى روسيا بالفعل إلى إنهاء التوتر بين إيران والولايات المتحدة أم أنها تحاول إدارة هذا التوتر واحتوائه بطريقة تضمن استمرار الأزمة دون انفجارٍ شامل أو تسويةٍ نهائية؟ يبدو أن موسكو تحاول ضبط مستوى الصراع بحيث لا يؤدي إلى تدمير شريكتها الاستراتيجي وفي الوقت نفسه لا يسمح بوصول العلاقات الإيرانية ـ الأميركية إلى مرحلة التطبيع والتعاون الاقتصادي والسياسي الواسع الذي قد يقلّص من اعتماد طهران على موسكو.
يدرك الروس جيداً أن الحروب التاريخية في القرن التاسع عشر بين الإمبراطورية الروسية والدولة القاجارية، والتي انتهت بانفصال أجزاء واسعة من شمال إيران، وكذلك النفوذ السياسي السوفييتي السلبي في القرن العشرين عبر أحزاب عميلة، فضلاً عن دعم موسكو لنظام صدام حسين خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية، كلها خلقت كراهية عميقة في الوعي السياسي الإيراني تجاه روسيا. كما أن الإيرانيين لا ينسون العقبات والعراقيل الروسية في مسار التوصل إلى اتفاق نووي بين إيران ومجموعة “5+1”. أضف إلى ذلك أنها رافقت الولايات المتحدة والثلاثية الأوروبية ووافقت على جميع قرارات مجلس الأمن ضد إيران بسبب برنامجها النووي منذ 2005، وهذا ما أثار استغراب الرأي العام الإيراني.
خلال مفاوضات الاتفاق النووي المبرم في العام 2015 كانت موسكو تخشى من أن تؤدي تلك المحادثات والمحاولات إلى فتح باب لعلاقات ثنائية أوسع خارج الملف النووي، قد تنتهي إلى تطبيع العلاقات السياسية بين طهران وواشنطن، وبالتالي إلى تقليص الدور الروسي في المعادلة الإقليمية. لذلك، جاءت موافقة روسيا النهائية على نص الاتفاق النووي أقرب إلى القبول الاضطراري منه الى الإقرار السياسي تماماً، كما كانت موافقة المرشد الأعلى الايراني علي خامنئي، تحت ضغط حكومة روحاني والرأي العام الذي كان يطالب برفع العقوبات المفروضة تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وإنهاء المواجهة النووية مع الولايات المتحدة.
“لا حرب ولا سلام”
منذ انتصار الثورة الإيرانية في العام 1979، دعمت موسكو في الغالب التيارات المتطرفة المعادية للولايات المتحدة داخل إيران، وحاولت ـ عبر قنواتها السياسية والإعلامية وعلاقاتها داخل بعض النخب ـ لإضعاف أو تهميش التيارات التي تنادي بتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة. في المرحلة الراهنة، ومع اندلاع الحربين الأخيرتين بين إيران والولايات المتحدة، بات من السهل على روسيا الإبقاء على جذوة العداء مشتعلة بين الطرفين، في ظل سعيها لسحب ملف الوساطة من أيدي أطراف أخرى كإسلام آباد، لضمان أن تظل أي مفاوضات محتملة محصورة في قضايا محدودة كوقف الحرب والحصار والعقوبات والبرنامج النووي، دون أن تتطور إلى مسار تطبيع شامل.
من وجهة النظر الروسية فإن استمرار حالة “لا حرب ولا سلام” بين إيران والولايات المتحدة هو السيناريو الأمثل: لا انهيار كامل لشريك مهم، ولا تسوية نهائية تُخرج إيران من دائرة النفوذ الروسي. وقد أثبتت الحرب الأخيرة أن موسكو استفادت منها إلى أقصى الحدود؛ إذ حرف أنظار الأوروبيين والولايات المتحدة عن أوكرانيا، كما استفادت روسيا اقتصادياً من ارتفاع أسعار النفط إثر اندلاع الحرب، بعد رفع الحصار عن صادراتها، ما وفر لها عوائد إضافية ضخمة.
في المقابل، تبدو طهران كأنها تتحرك في كثير من الأحيان وفق ما ينسجم مع المصالح الروسية أكثر مما ينسجم مع مصالحها الوطنية طويلة الأمد. فعلى الرغم من أن إيران تمتلك واحداً من أكبر احتياطيات الغاز في العالم، تجنبت خلال العقود الماضية منافسة روسيا بجدية في سوق الطاقة الأوروبية، رغم أن الأوروبيين كانوا يميلون سياسياً إلى تنويع مصادرهم بعيداً عن الاعتماد المفرط على الغاز الروسي. وبعد توقيع الاتفاق النووي في العام 2015 لم تُستثمر فرصة وجود إدارة اوباما لطي صفحة الماضي، كما أن يد جو بايدن الممدودة لإحياء الاتفاق بعد انسحاب إدارة ترامب في العام 2018 لم تلقَ استجابة إيرانية حاسمة في ظل مناخ داخلي وخارجي كانت موسكو أحد المستفيدين الرئيسيين من استمراره.
فوائد إيرانية محدودة
في المقابل، لم تحصل إيران من انسجامها مع روسيا على مكاسب استراتيجية موازية، فالتعاون العسكري والاقتصادي ظل محدوداً قياساً بحجم التنازلات السياسية التي قدمتها طهران. وحتى في الملف السوري، حيث ساهم التدخل الروسي في تثبيت نظام بشار الأسد، لم تُترجم الشراكة الإيرانية إلى عوائد اقتصادية واضحة لها. أما منظومات الدفاع الجوي الروسية، مثل “إس-300″ و”إس-400” فلم تُظهر فاعلية حاسمة في الهجمات التي استهدفت إيران في الحربين الأخيرتين، الأمر الذي أثار تساؤلات داخلية حول جدوى الاعتماد المفرط على السلاح الروسي.
تكرس هذه المعطيات صورة علاقة غير متكافئة بين الطرفين؛ فروسيا لا تنظر إلى إيران كشريك استراتيجي حقيقي طويل الأمد بقدر ما تنظر إليها كورقة ضغط في مواجهة الغرب وكمجال نفوذ تقليدي ينبغي ألّا يُفتَح على منافسين آخرين. ويُتداول في الأوساط الروسية مثل شائع يقول: “كلما صفّر الغرب للإيرانيين، أسرعوا بالركض إليه”، في إشارة إلى عدم ثقة موسكو بقدرة طهران على الثبات في محور واحد إذا تغيرت الظروف الدولية.
في ضوء ذلك، يمكن القول إن الطريق بين موسكو وطهران لا يزال في جوهره طريقاً ذا اتجاه واحد؛ تستفيد فيه روسيا من استمرار الأزمة بين إيران والولايات المتحدة، بينما تتحمل إيران كلفة سياسية واقتصادية وأمنية باهظة دون أن تحصد مقابلاً متوازناً. وفي ظل غياب مراجعة جادة في طهران لطبيعة هذه الشراكة وحدودها، ستبقى إستراتيجية روسيا تجاه العلاقات الإيرانية ـ الأميركية معتمدة على إدارة التوتر بينهما لا حلّها، وباستمرار حالة التوتر المضبوط لا السلام المستقر ولا الحرب النهائية التي تنتهي بانهيار الجمهورية الإسلامية.
ذلك لأن روسيا لا تريد أن تحلّ حكومة تابعة للولايات المتحدة محلّ الجمهورية الإسلامية، وهي نظام شديد العداء لأميركا، إذ إن ذلك سيشكّل مصدر مضايقات لروسيا من الجهة الجنوبية، وسيُنهي وصولها القريب والسهل إلى المياه الدافئة كما لا تريد للجمهورية الاسلامية أن تغير طريقها من العداء مع أميركا إلى المصالحة معها.
مجيد مرادي- المدن
The post هل تصلح روسيا للتوسط بين إيران وأميركا؟ appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.




