23 نقطة هي عدد المواقع التي يزعم الجيش الإسرائيلي أنه ثبّت فيها وجوده داخل جنوب الليطاني منذ بدء العملية البرية. غير أن التدقيق يُظهر أن هذه النقاط أُضيفت إلى 8 مواقع سابقة (يعترف بـِ 5 منها فقط)، كان العدو قد سيطر عليها قبل 2 آذار الجاري، وتحديداً خلال حرب خريف 2024. أما بقية هذه النقاط، فمعظمها لا يتعدى كونه حواف أو تلالاً رملية مستحدثة، أو نقاط تجمع أنشأها الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية لتكون منطلقات لقواته ومواقع تحشيد، وغالباً ما تتموضع مباشرة على خط الحدود.
هذا لا ينفي أن إسرائيل بدأت فعلياً عملية برية داخل الأراضي اللبنانية تحت مسمى “التوغل”، وقد استعانت لغاية اليوم بـِ 5 فرق عسكرية و 8 ألوية بينها 3 ألوية مصنفين ضمن العمليات الخاصة، وذلك منذ نحو 11 يوماً وفق ما ترصده مصادر عسكرية، لكن ليس بالنسق الذي تعلنه، سواء من حيث حجم التمدد أو القدرة على السيطرة على مساحات واسعة أو نقاط حاكمة.
قضم تدريجي
تكشف المعطيات أن الجيش الإسرائيلي يعتمد تكتيك “القضم التدريجي”، عبر التقدم البطيء ضمن مواضع محددة على طول الجبهة، مع تركيز واضح على القطاعين الأوسط والشرقي. ويعود ذلك، على الأرجح، إلى الخشية من التعرض لنيران أو كمائن المقاومة، إذ تبقى كلفة الغزو الشامل والتقدم المتزامن على أكثر من محور مرتفعة ومرهقة.
النقاط الخمس: عقدة الوصل
يتبيّن أن الجيش الإسرائيلي يتموضع أساساً في محيط خمس نقاط محتلة داخل الأراضي اللبنانية، يتخذها منطلقات لتأمين تقدمه البري نحو بعض القرى. وتمثّل هذه النقاط مؤشراً إلى تحوّل في الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية، القائمة مجدداً على نقل القتال إلى أرض الخصم، وإنشاء مواقع داخلها، ليس فقط لحماية المستعمرات، بل أيضاً لتأمين الإمداد الخلفي وتوفير إشراف استخباري متقدم.
فعلى سبيل المثال، تشكّل تلة اللبونة في القطاع الغربي امتداداً لمواقع العدو داخل مستعمرة شلومي ومحيطها، إذ تتيح كشف بلدة البياضة وصولاً إلى مدينة صور، على مسافة تقارب ٣٠ كلم. وخلال العملية الحالية، تقدمت قوات الاحتلال بداية نحو النقاط المحيطة بهذه المواقع، وثبّتت وجودها فيها، قبل أن تبدأ بالتوغل نحو بعض القرى، غالباً تحت غطاء إشرافي مباشر منها.
في القطاعين الأوسط والشرقي، تبرز مدينة الخيام كنموذج واضح. إذ تمنح تلة الحمامص إشرافاً واسعاً، وقد اتخذها العدو منطلقاً للتقدم نحو أطراف المدينة، حيث يدور قتال مستمر من دون أن يتمكن من إحكام السيطرة الكاملة، خصوصاً على الأحياء الغربية.
أهمية الخيام
تمثّل الخيام، بالنسبة لإسرائيل، عقدة وصل أساسية تتيح الإشراف على مواقع متقدمة، إضافة إلى دورها اللوجستي في دعم القوات. كما تشكّل نقطة انطلاق نحو التمدد باتجاه تل النحاس ودير ميماس، وصولاً إلى تقاطع الخردلي – يحمر – الشقيف أرنون، وكذلك نحو دبين وحاصبيا.
وخلال الحرب السابقة، وصلت القوات الإسرائيلية إلى مجرى النهر عند الخردلي تقريباً، لكن عبر التفاف ميداني لا سيطرة مباشرة. أما اليوم، فيبدو أن الهدف هو تثبيت سيطرة فعلية وفتح طريق باتجاه ضفة الليطاني.
لا سيطرة على مرتفعات نوعية
حتى الآن، لم تُضف إسرائيل أي تلال ذات قيمة عسكرية نوعية إلى مناطق سيطرتها، باستثناء “تلة القبع” شرق مركبا. في المقابل، تمكنت من إسقاط بعض التلال بالنار، مثل “تلة النبي العويضة” بين الطيبة وكفركلا، وتلة كحيل في مارون الرأس.
أما السيطرة الفعلية، فتبقى محصورة ضمن شريط ضيق يمتد بنحو ٧ كيلومترات على طول الحافة الحدودية، بما يشمل الأحياء الجنوبية الشرقية من الخيام المتاخمة للمطلة، إضافة إلى جزءها الشمالي الشرقي. وهو ما يعكس نمط السيطرة ذاته الذي اعتمده الجيش الإسرائيلي في مراحل سابقة.
وبحسب مصادر متابعة، فإن غالبية النقاط التي جرى الاستحواذ عليها كانت مواقع متقدمة سبق أن تموضع فيها الجيش اللبناني قبل إخلائها نتيجة التصعيد.
أسلوب “الكماشة”
تشير طريقة الانتشار الحالية إلى أن الجيش الإسرائيلي يسعى لرسم معالم “منطقة عازلة”، عبر التقدم نحو نهر الليطاني، ثم التمدد أفقياً بمحاذاته، بالتوازي مع فتح خط عمليات موازٍ لخط القرى الحدودية من الجهة العليا. ويقابل ذلك تقدم من الجهة السفلى، بما يتيح لاحقاً تطويق المناطق بأسلوب “الكماشة”.
على غرار الخيام، فتح العدو محوراً نحو بلدة الطيبة انطلاقاً من رب ثلاثين، مستفيداً من تموضعه في العديسة ومركبا. وقد شهدت منطقة مشروع مياه الليطاني (مشروع الطيبة) مواجهات عنيفة مدعومة بإسناد ناري، نظراً لأهميتها كمرتفَع يشرف على عمق البلدة وعلى طرق حيوية باتجاه القنطرة وواديي السلوقي والحجير.
وتتيح السيطرة على الطيبة فتح مسارات تمدد متعددة نحو النهر، سواء باتجاه دير سريان – علمان – القصير – الشومرية – طلوسة، أو القنطرة – الحجير.
وتفيد المعطيات بأن الجيش الإسرائيلي يسعى لتثبيت موطئ قدم داخل مشروع الطيبة لربطه بموقع مسكاف عام وموقع الدواوير المستحدث، بما يؤمّن خط إمداد وحماية. إلا أن هذا التثبيت يواجه مقاومة مباشرة، أدت إلى إعطاب دبابة “ميركافا”، ليرتفع عدد الدبابات المتضررة إلى نحو 16 منذ بدء التصعيد.
خريطة التوغل
بعد 14 يوماً على اندلاع الحرب، و10 أيام على بدء العمليات البرية ويومين على الاعلان الاسرائيلي، يمكن تلخيص واقع التوغل على النحو الآتي:
شرقاً: سيطر العدو على سهل المجيدية، وأنشأ مربضاً للمدفعية، كما تقدم في مزارع الوزاني وسيطر على بعضها، ودخل أطراف الخيام من الناحيتين الجنوبية الشرقية والشمالية الشرقية وبعض أحياء شبعا. وفي كفركلا المدمرة، استحدث مربضاً نارياً قرب تل النحاس لتأمين دعم القوات التي سوف تتقدم ولزيادة وتيرة القصف المدفعي على الخيام.
وسطاً: توغلت دبابات الاحتلال في حولا ومركبا، مع تمهيد ناري باتجاه بني حيان، في مؤشر إلى نية التقدم نحوها ما يوفر إشرافاً على وادي الحجير والليطاني. كما تشير المعطيات إلى سيطرة جزئية داخل عيترون حيث لا تزال المعارك مستمرة.
غرباً: يبقى القطاع الغربي الأقل اشتعالاً برياً، مع تسجيل توغلات محدودة في عيتا الشعب ومارون الرأس، حيث تمركزت دبابات الاحتلال في محيط الحديقة العامة وبعض المرتفعات، مع استحداث مرابض مدفعية
المنطقة العازلة: نسخة 2026
يرتبط كل ما سبق بمشروع إقامة منطقة عازلة بعمق يتراوح بين 8 و10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية. ورغم تقديمها كحزام دفاعي لحماية المستوطنات، إلا أن جوهرها يقوم على إفراغ المنطقة سكانياً، انطلاقاً من قناعة إسرائيلية باستحالة تحقيق الأمن بوجود بيئة معادية. ويشمل ذلك إقصاء أي مظهر من مظاهر الدولة اللبنانية، بما فيها الجيش.
وكانت إسرائيل قد أنشأت في ثمانينيات القرن الماضي ما عُرف بـِ “الشريط الحدودي”، الذي ضم سكاناً محليين. إلا أن انهيار تلك التجربة دفعها إلى تبنّي نموذج جديد يقوم على منطقة خالية من السكان، تُدار عبر مواقع عسكرية وأنظمة مراقبة متطورة.
ومع تطورات الحرب الأخيرة، لم تعد إسرائيل تخفي طموحها في توسيع هذه المنطقة إلى ما بعد نهر الليطاني، وصولاً إلى حدود الزهراني، استناداً إلى قناعة بأن هذه الجغرافيا تمنح أي قوة متمركزة فيها قدرة تأثير عميقة على الداخل الإسرائيلي.
عبد الله قمح – المدن
The post هكذا يرسم الجيش الإسرائيلي منطقته العازلة! appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.








