قبل الحرب الأميركيّة – الإسرائيليّة على إيران، كانت إيران تتبوّأ المركز الثامن عشر في العالم بالنسبة لصناعة السيّارات. كان يوجد فيها 50 شركة لصناعة الأدوية. كانت السياحة مزدهرة. في إيران 21 موقعاً سياحيّاً تصنّفها منظّمة اليونسكو من ضمن التراث الإنسانيّ العالميّ. ثمّ إنّ المطبخ الإيرانيّ يتمتّع بشهرة واسعة تعزّز السياحة إليها وتجعلها أكثر جاذبيّة. فوق ذلك هناك صناعة السجّاد والمزخرفات.
60 في المئة من الشعب الإيرانيّ دون سنّ الثلاثين من العمر. هذا يعني أنّه شعب شابّ وحيويّ ومنتج، وأنّه خلافاً للوضع في معظم الدول الأوروبيّة لا يشكّل عبئاً على الدولة (تعويضات نهاية الخدمة والرعاية الصحيّة..). إضافة إلى هذه النسبة العالية من الشباب، بدأت أبواب العمل تُفتح أمام المرأة. إلّا أنّ ربع شباب وشابّات إيران من حمَلة الشهادات الجامعيّة يعيشون خارج إيران، ولو توفّرت لهم فرص العودة إلى الوطن لشكّلوا قوّة رافعة اقتصاديّاً واجتماعيّاً. لكنّ الذي حدث كان على العكس من ذلك. استُدرجت إيران إلى حرب دمّرت كلّ شيء، بما في ذلك صناعتها النوويّة المتقدّمة التي وضعتها قاب قوسين أو أدنى من إنتاج قنبلة نوويّة. أدّى هذا التدمير إلى إقفال طرق العودة إلى الوطن.. يكاد الوطن يختنق بعد الحرب ونتيجة لها!!
نعمتان كبيرتان
فوق ذلك تتمتّع إيران بموقع استراتيجيّ مهمّ جدّاً كان يمكّنها من أن تكون جسراً تجاريّاً وسياسيّاً بين الشرق الأوسط والقوقاز ووسط آسيا، لكنّها كانت تفتقر إلى أدوات التواصل، وإلى ثقافة التواصل أيضاً. عُطّل عمل هذه الأدوات، وأُبطل إشعاع هذه الثقافة بتحويل الدولة إلى دولة دينيّة يحكمها رجال دين نيابة عن الإمام المغيّب وباسمه، على الرغم من أنّ الإسلام لا يقول بالدولة الدينيّة التي تحكم باسم الدين ونيابة عنه.
ليست إيران وحدها في ذلك. تنتظر إسرائيل “مجيء” المسيح بقوّتها النوويّة. أعلنت بنفسها أنّها دولة دينيّة يهوديّة. الولايات المتّحدة التي تنتظر “عودة” المسيح أيضاً تملك مع روسيا التي عادت إلى المسيحيّة قوّة نوويّة قادرة على قتل كلّ إنسان تسع مرّات على الأقلّ.
ليس الجمع بين الدين والسياسة ظاهرة إيرانيّة فقط. إنّه ظاهرة عالميّة. ليس ظاهرة حديثة، بل قديم قدم الأديان.
لكنّ إيران تمتاز بأنّ تاريخها يترجم عمليّاً طموحاتها. لقد وصلت قبل الميلاد إلى اليونان واحتلّتها. سيطرت على كلّ الطرق البرّيّة (من إيران إلى اليونان). كانت معركتها الحاسمة ضدّ إسبرطة اليونانيّة. تشكّل هذه الخلفيّة التاريخيّة مصدراً للشعور بالتفوّق. لكنّ هذا الشعور تحوّل إلى شعور بالاستكبار على الآخرين، بمن فيهم الأتراك والأذريّون. من هؤلاء الآخرين أيضاً عرب الجوار الذين حملوا إليها الإسلام.
أغدق الله على هؤلاء العرب نعمتين كبيرتين: نعمة الدين الإسلاميّ ثمّ نعمة النفط والغاز، فأضاؤوا العالم بنوعين من الأنوار: نور الإيمان بالله ورسله، ونور التقدّم العلميّ والتواصل الإنسانيّ. ساهم ذلك في صناعة حضارة تتنعّم الإنسانيّة بها.
في مطلع السبعينيّات من القرن العشرين، عندما انسحبت بريطانيا من منطقة الخليج، بادرت إيران إلى احتلال ثلاث جزر عربيّة في مضيق هرمز كانت تابعة لإمارة رأس الخيمة، إحدى الإمارات العربيّة التي تتشكّل منها دولة الإمارات العربيّة المتّحدة. على الرغم من الشكوى الرسميّة التي قدّمتها الإمارة إلى الأمم المتّحدة وإلى جامعة الدول العربيّة، لم يتراجع الاحتلال الإيرانيّ، وهو مستمرّ حتّى اليوم. حتّى الأمس القريب، يكاد لا يخلو بيان من البيانات التي تصدر عن مجلس التعاون الخليجيّ من مطالبة إيران بالانسحاب من هذه الجزر العربيّة المحتلّة (أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى). ثمّ كان هناك صراع ولم يزل على اسم الخليج: عربيّ أم فارسيّ؟
قيادة المسلمين؟
تُقاس المسافة بين إيران وسلطنة عُمان في منطقة مضيق هرمز ببضع مئات من الأمتار فقط، ويمكن رؤية الشاطئ الآخر بالعين المجرّدة. إلّا أنّ المسافة المعنويّة تكاد تمتدّ إلى اللانهاية لغةً وثقافةً وتاريخاً.
تشعر إيران بالتفوّق العرقيّ على جيرانها العرب على خلفيّة بداوتهم الصحراويّة. تشعر في الوقت ذاته بالدونيّة تجاههم لأنّهم هم حمَلة الإسلام وروّاده. لذلك استحدثت مفاهيم دينيّة مثل نظريّة ولاية الفقيه لا تمكّنها فقط من تجريدهم من موقع الريادة في حمل الرسالة ونشرها، بل من تبوّؤ القيادة في العالم الإسلاميّ ومن التربّع على عرش الأولويّة على خلفيّة هذه المفاهيم المستحدثة.
عندما يعود أو يظهر الإمام المغيّب، يبدأ العصر الذهبيّ الذي تنتظر إيران أن تكون منطلقه. بانتظار تلك العودة أو الظهور يمارس الوليّ الفقيه باسمه ونيابة عنه السلطة. في الحالتين يكون المرشد حاكماً باسم الإمام ونيابة عنه، ويكون حاكماً مقدّساً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
مع انتظار عودة المهديّ، ينتظر المسيحيّون الصهاينة في الولايات المتّحدة عودة المسيح. ينتظر اليهود في إسرائيل والعالم مجيء المسيح باعتبار أنّ المسيح الذي جاء ليس هو المسيح المنتظر.
هكذا تتنافس رؤى ومفاهيم دينيّة متناقضة على صناعة عالم القرن الواحد والعشرين انطلاقاً من الشرق الأوسط، وربّما مروراً بمضيق هرمز!!
محمد السماك – اساس ميديا
The post هرمز: أبعد من ممرّ للنّفط appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.






