نار الميدان وطاولة التفاوض: لبنان وإكراهات الحرب واختبار القرار السيادي

التاريخ: 15 نيسان 2026
نار الميدان وطاولة التفاوض: لبنان وإكراهات الحرب واختبار القرار السيادي

اخبار الجلسة متوفرة الآن مجاناً عبر خدمة واتساب... اضغط هنا

اضغط هنا

داود رمال – “اخبار اليوم”

شكّل انعقاد اللقاء المباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل برعاية أميركية لحظة مفصلية تتجاوز في دلالاتها إطلاق مسار تفاوضي جديد، إذ يأتي هذا الحدث في سياق مركّب تتداخل فيه الحرب المفتوحة مع إعادة رسم موازين القوى الإقليمية، ما يمنحه طابعاً استثنائياً يضع لبنان أمام اختبار تاريخي قائم على اختبار القدرة على تحويل التفاوض إلى فرصة إنقاذ، واختبار امتلاك القرار السيادي في لحظة انهيار التوازنات الداخلية والخارجية.

فهذا المسار لا يمكن فصله عن البيئة التي وُلد فيها، حيث يتزامن مع تصعيد عسكري عنيف على الأراضي اللبنانية، ما يخلق مفارقة حادة بين منطق الحرب ومنطق التفاوض. في العادة، تُبنى المفاوضات على توازنات شبه مستقرة أو على إرهاق متبادل يدفع الأطراف إلى التسوية، إلا أن الحالة الراهنة تختلف جذرياً، إذ تبدو العمليات العسكرية وكأنها تُستخدم كأداة ضغط لتحسين الشروط التفاوضية، لا كخلفية تدفع نحو التهدئة. هذا الواقع يطرح تساؤلاً أساسياً حول ما إذا كان التفاوض مساراً مستقلاً بالفعل، أم انه امتداد غير مباشر للمواجهة العسكرية بوسائل سياسية.

في هذا الإطار، يكتسب انخراط لبنان في مفاوضات منفصلة دلالة سيادية لافتة، إذ يعكس محاولة لإعادة تعريف موقعه ضمن الصراع الإقليمي، وفصل قراره التفاوضي عن التأثيرات الخارجية التي لطالما قيّدته. غير أن هذه المحاولة، على أهميتها، تصطدم بواقع داخلي معقّد، حيث لا تزال السلطة الفعلية موزعة بين الدولة وقوى أخرى تملك تأثيراً حاسماً في قرار الحرب والسلم. ومن هنا، فإن أي التزام تفاوضي لن يُقاس فقط بمضمونه، بل بقدرة الدولة على فرضه وتنفيذه، وهو التحدي الأكثر حساسية وخطورة.

أما من الناحية التاريخية، فإن هذا المسار لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى تراكم من الاتفاقات والترتيبات التي شكّلت إطاراً لتنظيم العلاقة بين الطرفين. فمنذ اتفاق الهدنة الذي أعقب حرب 1948، مروراً بمحاولات تنظيم الانسحاب والترتيبات الأمنية في ثمانينيات القرن الماضي، وصولاً إلى الخطوط والاتفاقات التقنية التي نظّمت الحدود البرية والبحرية، ظلّت العلاقة محكومة بمنطق إدارة النزاع لا حله. وهذا يعني أن المفاوضات الحالية، رغم طابعها المباشر، لا تنطلق من أرضية سلام، بل من إرث طويل من الترتيبات الموقتة التي غالباً ما كانت تنهار تحت ضغط التحولات الإقليمية.

وفي المقابل، تبدو الفجوة بين موقفي الطرفين واسعة، فلبنان يدخل المفاوضات تحت ضغط إنساني وعسكري، واضعاً أولوية لوقف إطلاق النار كمدخل لأي بحث لاحق، بينما تتعامل إسرائيل مع التفاوض كأداة لتكريس وقائع ميدانية جديدة، سواء عبر توسيع نطاق سيطرتها الأمنية أو فرض شروط تتصل بنزع مصادر التهديد. هذا التباين لا يعكس فقط اختلافاً في الأولويات، بل يكشف عن اختلال في موازين القوة، حيث يسعى الطرف الأقوى إلى ترجمة تفوقه العسكري إلى مكاسب سياسية دائمة.

على الصعيد الدولي، يعكس الحضور الأميركي في رعاية هذا المسار رغبة واضحة في إعادة ضبط إيقاع الصراع ضمن حدود يمكن التحكم بها، ومنع انزلاقه إلى مواجهة أوسع. كما أن الانخراط الأوروبي، ولو بشكل داعم، يشير إلى إدراك متزايد بأن استقرار لبنان لم يعد مسألة محلية، بل عنصر أساسي في أمن المنطقة ككل. ومع ذلك، فإن هذا الدعم الدولي يبقى مشروطاً بقدرة لبنان على إثبات جديته كدولة قادرة على الالتزام، لا كساحة مفتوحة لتصفية الحسابات.

يقف لبنان أمام لحظة دقيقة لا تحتمل المراوحة، حيث لا يبدو التفاوض خياراً طوعياً بقدر ما هو ضرورة فرضتها موازين القوة والضغوط الدولية. غير أن نجاح هذا المسار لا يتوقف على حسن إدارة التفاوض فحسب، بل على إعادة بناء مفهوم الدولة القادرة على احتكار قرارها السيادي. من دون ذلك، ستبقى أي نتائج عرضة للاهتزاز، وسيظل التفاوض محطة في مسار صراع لم يُحسم بعد، بل يعاد إنتاجه بأشكال مختلفة بين الحرب والسياسة.

The post نار الميدان وطاولة التفاوض: لبنان وإكراهات الحرب واختبار القرار السيادي appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.

المصدر: Lebanon Files

شارك الخبر عبر منصات التواصل الإجتماعي

تم الاشتراك بنجاح!

إبق على علم بآخر الأخبار عبر الاشتراك بصحيفتنا الإخبارية