مأزق واشنطن-طهران.. واستنزاف لبنان

التاريخ: 13 نيسان 2026
مأزق واشنطن-طهران.. واستنزاف لبنان

اخبار الجلسة متوفرة الآن مجاناً عبر خدمة واتساب... اضغط هنا

اضغط هنا

لم يكن فشل محادثات إسلام آباد حدثًا عابرًا، بل لحظة كاشفة. ليس لأن التفاوض تعثّر، بل لأن ما تعثّر فعليًا هو الفرضية التي بُنيت عليها السياسة الأميركية تجاه إيران.

الرهان الأميركي كان واضحًا: ضغط عسكري مباشر واستهداف نوعي للقيادات، يواكبه تضييق اقتصادي، كفيلان بإيصال طهران إلى طاولة التفاوض من موقع ضعف، بل بأمل دفعها إلى تنازلات كبرى. لكن ما حدث كان العكس تمامًا. إيران المنهكة جاءت وهي تعتقد أنها صمدت، ونجحت في امتصاص الضربات، واحتفظت بقدرتها على الرد.

فجوة الإدراك: واقعان لا يلتقيان

هنا تكمن المشكلة. فالمفاوضات لا تُدار فقط وفق موازين القوى الموضوعية، بل وفق تعريف كل طرف للواقع نفسه. وما يجري بين واشنطن وطهران ليس خلافًا على الشروط، بل اختلافًا أعمق على معنى ما حدث خلال الأشهر الماضية.

تتعامل واشنطن مع الوقائع باعتبارها مسار ضغط ناجح: ضربات متراكمة، تضييق اقتصادي، وتآكل تدريجي في قدرة إيران، يفترض أن يقود في النهاية إلى تنازلات.

أما طهران، فتنظر إلى الوقائع نفسها باعتبارها دليل صمود: امتصاص للضربات، احتواء للخسائر، وإثبات لقدرة الرد عبر أكثر من ساحة، بما يمنع كسرها أو فرض شروط عليها.

بمعنى أدق، لا يختلف الطرفان على الأرقام أو الأحداث، بل على تفسيرها. ما تعتبره واشنطن تقدّمًا في الضغط، تعتبره طهران نجاحًا في التحمّل.

هذه ليست فجوة تفاوضية عادية، بل انقسام في قراءة الواقع نفسه. بل هي حالة يفقد فيها الضغط وظيفته الأساسية: تحويل القوة إلى تنازل. ومن هنا، يصبح الوصول إلى نقطة وسط شبه مستحيل، لأن كل طرف يفاوض انطلاقًا من سردية مختلفة بالكامل.

وهذا تحديدًا هو جوهر المأزق.

خيارات مأزومة: لا مخرج واضح

في هذا السياق، تبدو الخيارات الأميركية محدودة، بل ومأزومة. إعادة إطلاق التفاوض تعني عمليًا إعادة إنتاج الشروط نفسها والنتائج نفسها. إنهاء المواجهة دون اتفاق يحمل كلفة سياسية واستراتيجية عالية، إذ يُفسَّر كتنازل. أما التصعيد، فيفتح الباب أمام مسار يصعب احتواؤه، لا يمكن التنبؤ بنهاياته.

لكن الأخطر أن الخيار العسكري، بالرغم من جاذبيته الظاهرة، لا يقدّم مخرجًا حقيقيًا. الضربات قد تؤلم، لكنها لا تحسم. بل على العكس، قد تدفع إيران إلى توسيع النزاع أفقيًا، بما يحوّل المواجهة إلى حرب إقليمية مفتوحة، ذات تداعيات مباشرة على أسواق الطاقة والاستقرار العالمي، من مضيق هرمز إلى باب المندب، بما يعني عمليًا تهديد الممرات البحرية التي يقوم عليها جزء أساسي من الاقتصاد العالمي أي عبر الشرايين الحيوية للتجارة العالمية.

نافذة ضيقة: عودة ممكنة إلى التفاوض

مع ذلك، لا يعني هذا المأزق انسداد الأفق بالكامل. بل على العكس، قد يكون ما جرى في إسلام آباد تمهيدًا لعودة تفاوضية، ولكن بشروط مختلفة، بعد أن تبيّن للطرفين أن مقاربة الضغط مقابل التنازل لم تُنتج النتيجة المرجوّة.

هنا يختصر روبرت مالي، المفاوض الأميركي السابق مع إيران، المعضلة بعبارة لافتة:

“واحد وعشرون ساعة كانت أطول بعشرين ساعة مما يلزم إذا كان الهدف تكرار مطلب مرفوض، وأقصر بكثير مما يلزم إذا كان الهدف التفاوض فعلًا”.

أي أن ما جرى لم يكن تفاوضًا، بل إعادة عرض لشروط غير قابلة للحياة، من دون محاولة جدية لبناء أرضية مشتركة.

حدود القوة الأميركية

ما تواجهه الولايات المتحدة اليوم ليس نقصًا في القوة، بل حدود استخدام هذه القوة. فحين يصبح استخدام القوة مكلفًا إلى حدّ يفوق عائداته، وحين لا تترجم الضغوط إلى تنازلات، يتحول التفوق العسكري من أداة حسم إلى عنصر استنزاف.

يزداد هذا الواقع تعقيدًا مع القيود السياسية الداخلية والخارجية. إدارة منشغلة باستحقاقات كبرى، من العلاقة مع الصين إلى الانتخابات النصفية، لا تملك ترف الانخراط في حرب طويلة. الزمن هنا ليس عاملًا محايدًا، بل عنصر ضغط إضافي.

في هذا السياق، لا يمكن فصل الحسابات الاستراتيجية عن السياق السياسي الداخلي في واشنطن، سواء لدى إدارة دونالد ترامب أو في توازناتها الأوسع، حيث يبرز خطاب أكثر تشددًا لدى شخصيات مثل جي دي فانس، وهذا ما يضيّق هامش المناورة بين التصعيد والتسوية.

في المقابل، تبدو إيران مرتاحة داخل هذا التوازن المختل. فهي لا تحتاج إلى الانتصار، بقدر ما تحتاج إلى منع خصمها من تحقيق انتصار.

لبنان: ساحة المأزق المفتوح

في هذا الفراغ الاستراتيجي، تتقدّم إسرائيل بحساباتها. ففشل المسار التفاوضي لا يترك فقط واشنطن في موقع المراوحة، بل يفتح أمام بنيامين نتنياهو نافذة عمل أوسع. بالنسبة له، كل انسداد دبلوماسي هو فرصة لإعادة فرض الوقائع بالقوة، خارج أي قيود تفاوضية.

لبنان هنا ليس تفصيلًا، بل ساحة مركزية. في ظل غياب اتفاق أميركي–إيراني يضبط الإيقاع، يتحوّل الجنوب اللبناني إلى مسرح مفتوح لسياسة الاستنزاف.

ليست حربًا شاملة… بعد. بل تصعيد تدريجي، منهجي، يتقدّم خطوةً خطوة، ويُعيد تعريف حدود الاشتباك على حساب لبنان.

في هذا النوع من الحروب، تمتلك إسرائيل اليد العليا: تفوق جوي، حرية حركة، وقدرة على اختيار توقيت الضربات وحدودها. أما حزب الله، فيجد نفسه أمام معادلة أكثر تعقيدًا: الردّ الكافي للحفاظ على الردع، دون الانزلاق إلى حرب شاملة مكتملة الأركان—أي تلك التي تنخرط فيها كل القدرات العسكرية الاسرائيلية بلا سقف.

وذلك بالرغم من أنَّ القتل نفسه بات شبه شامل من حيث اتساعه وكثافته.

السؤال الحاسم هنا ليس ما إذا كان الحزب قادرًا على الرد، بل ما إذا كان يمتلك أوراقًا نوعية لم تُستخدم بعد، قادرة على تعديل ميزان الردع. حتى الآن، لا مؤشرات واضحة على ذلك. وإذا صحّ هذا التقدير، فإن هامش المبادرة يبقى في يد إسرائيل، وهذا ما يفتح الباب أمام مزيد من الإيغال في الضربات، ومراكمة الكلفة على لبنان، دولةً ومجتمعًا.

بهذا المعنى، لا يكون لبنان مجرد متلقٍ لتداعيات المأزق الأميركي–الإيراني، بل أحد ميادينه المباشرة.

وهنا تحديدًا، يلتقي المأزق الأميركي مع الواقع اللبناني: عجز عن الحسم في واشنطن، واستنزاف مفتوح في بيروت.

مأزق بلا حسم

هكذا يتبلور المشهد: قوة عظمى تملك أدوات هائلة لكنها مقيّدة بكلفتها، ودولة إقليمية تستثمر في قدرتها على الصمود أكثر من سعيها إلى الحسم.

النتيجة ليست توازنًا، بل مأزقًا مفتوحًا. وفي هذا المأزق، لا يُقاس التفوق بمن يملك القوة، بل بمن يستطيع تحمّل كلفة استخدامها… أو كلفة عدم استخدامها. حتى الآن، تبدو واشنطن عالقة بين الخيارين. أما لبنان، فيدفع ثمن هذا التردّد… يومًا بيوم، وبنيةً بعد بنية.

The post مأزق واشنطن-طهران.. واستنزاف لبنان appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.

المصدر: Lebanon Files

شارك الخبر عبر منصات التواصل الإجتماعي

تم الاشتراك بنجاح!

إبق على علم بآخر الأخبار عبر الاشتراك بصحيفتنا الإخبارية