واضح أنّ لبنان مقبل على استحقاق التفاوض بوضعيّة إرباك وانقسام، سواء في مقاربة المسألة الأمنيّة العسكريّة أو في التفاهم على تصوّر للمسار السياسي. فحزب الله ما زال يصرّ وبقوّة على رفض مبدأ التفاوض المباشر، فيما الرئيس نبيه برّي يرفض الواقع المفروض في المفاوضات، أي النقاش تحت نار الابتزاز، حيث يبدو لبنان رهينة لإملاءات إسرائيل التي لا تريد تقديم أيّ تنازل في أيّ بند، ولا حتّى وقف النار وأعمال التهجير والجرف، أو المباشرة بالانسحاب من الأراضي الواسعة التي باتت تحتلّها.
ومن الواضح أنّ بنيامين نتنياهو يدرك تمامًا مأزق المفاوض اللبناني، وهو يستغلّ الإرباك الذي تقع فيه الحكومة اللبنانيّة داخليًّا وخارجيًّا، للتمادي سواء ميدانيًّا في الجنوب أو سياسيًّا على طاولة التفاوض، مستفيدًا من غطاء يقدّمه الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
ويقوم نهج نتنياهو على إرضاء واشنطن بتجميد الضربات في بيروت وتجنّب استهداف البنى التحتيّة التابعة للدولة اللبنانيّة خارج الجنوب، ظرفيًّا ربّما. وفي المقابل، يلجأ إلى استغلال هذا الأمر للإمعان في الضرب والنسف والتهجير والتوسّع جنوبًا، مستفيدًا من ضبابيّة مهلة الـ45 يومًا المسمّاة “هدنة”.
مشكلة المفاوض اللبناني، بالشقّين العسكري في 29 أيّار الجاري والسياسي في 2 و3 حزيران، تكمن في أنّه واقع تحت الضغط الأميركي، الإسرائيلي من جهة، والضغط الداخلي من جهة أخرى. وفي مواجهة الحالين، هو لا يملك أوراق قوّة لفرض منطق الدولة، لكنّه لا يرى بديلًا من الجلوس إلى طاولة التفاوض، لأنّ الانسحاب منها يعني إطلاق يد نتنياهو تمامًا، بعد تحميل لبنان مسؤوليّة تعطيل المفاوضات. وفي هذه الحال، سينحاز دونالد ترامب إلى نتنياهو بالكامل ويمنحه الضوء الأخضر للتمادي والضرب في بيروت وأيّ مكان في لبنان. كما سيسحب ترامب يده من المفاوضات ومن أيّ تغطية للحكومة اللبنانيّة. وهذا ما لا يستطيع تحمّل عواقبه حاليًّا، لا لبنان الرسمي ولا الثنائي الشيعي.
دولة تفاوض ولا تمسك شروط التفاوض
لا يذهب لبنان إلى الاستحقاق المقبل من موقع الاختيار، بل من موقع الضرورة. فالتفاوض، في صورته الراهنة، ليس مسارًا طبيعيًّا بين طرفين يبحثان عن تسوية، بل امتحان قاسٍ لدولة واقعة بين ضغط خارجي لا يرحم وانقسام داخلي يمنعها من صوغ موقف صلب. لذلك تبدو الحكومة اللبنانيّة كمن يحاول تفادي الأسوأ أكثر ممّا يسعى إلى تحقيق مكسب سياسي واضح.
الورطة الأساسيّة أنّ لبنان يحتاج إلى البقاء داخل المسار التفاوضي كي لا يُحمّل مسؤوليّة الانهيار، لكنّه في الوقت نفسه يخشى أن يتحوّل هذا المسار إلى منصّة لتثبيت الأمر الواقع الإسرائيلي. فإسرائيل تفاوض وهي تضرب، وتطلب ضمانات أمنيّة وهي تحتلّ، وتريد من لبنان التزامات واضحة فيما تتهرّب هي من أبسط موجبات وقف النار والانسحاب.
هنا، يتحوّل التفاوض إلى فخّ مزدوج. فإذا حضر لبنان، بدا كأنّه يفاوض تحت السقف الإسرائيلي. وإذا انسحب، بدا كأنّه يعطّل الجهد الدولي ويفتح الباب أمام جولة تصعيد أوسع. وبين الحالتين، لا يستطيع المفاوض اللبناني أن يقدّم جوابًا حاسمًا على السؤال الأهمّ: هل يستطيع أن يفاوض باسم دولة موحّدة القرار، أم باسم سلطة تحاول إدارة توازنات متفجّرة؟
نتنياهو يشتري الوقت بالنار
في المقابل، يدير نتنياهو المشهد بمنطق الاستثمار في الوقت. فهو لا يتعامل مع مهلة الـ45 يومًا بوصفها هدنة فعليّة، بل بوصفها حيّزًا سياسيًّا يسمح له بإعادة ترتيب الوقائع الميدانيّة من دون دفع ثمن دولي كبير. يكفيه أن يضبط مستوى التصعيد خارج الجنوب كي يقدّم نفسه أمام واشنطن كطرف “منضبط”، فيما يترك للجيش الإسرائيلي هامشًا واسعًا في القرى الحدوديّة.
بهذه الطريقة، يربح نتنياهو على مستويين. أوّلًا، يمنح الإدارة الأميركيّة ما تحتاج إليه من شكل دبلوماسي يوحي بأنّ المسار قائم. وثانيًا، يواصل عمليًّا بناء منطقة أمنيّة بالنار، عبر القصف، والإنذارات، والتهجير، والجرف، ومنع العودة. والنتيجة أنّ الهدنة تصبح عنوانًا سياسيًّا، بينما الواقع على الأرض يذهب في اتجاه آخر تمامًا.
ولأنّ الداخل الإسرائيلي محكوم أيضًا بحسابات نتنياهو الشخصيّة والسياسيّة، فإنّ رئيس الحكومة الإسرائيليّة لا يبدو معنيًا بتسوية سريعة تُقرأ كتنازل. هو يريد نهاية تتيح له القول إنّه أبعد حزب الله عن الحدود، وفرض ترتيبات أمنيّة جديدة، وربط أيّ انسحاب بضمانات لبنانيّة ودوليّة. لذلك لا يفاوض نتنياهو لوقف الحرب فقط، بل لتعديل قواعد ما بعد الحرب.
فرنسا تقرأ الخطر ولا تملك العصا
في هذا المناخ، جاء التحذير الفرنسي عبر جان إيف لودريان ليعبّر عن قلق واضح من أن يتحوّل الانقسام اللبناني إلى مدخل لتفكّك أوسع. كلامه عن أنّ لبنان “في وضع خطير” لا يحمل توصيفًا عابرًا، بل يختصر قراءة فرنسيّة ترى أنّ البلد مهدّد في وحدته وسلامة أراضيه وفي قدرته على استعادة قرار الدولة.
غير أنّ الموقف الفرنسي، مهما بدا متقدّمًا في لغته، لا يبدّل كثيرًا في توازن القوى. فباريس تشخّص الأزمة، لكنها لا تملك وحدها أدوات إلزام إسرائيل بوقف عدوانها أو فرض انسحابها. وهي، في الوقت نفسه، لا تستطيع تجاهل أنّ جزءًا من المعضلة يتّصل بسلاح حزب الله وبتموضعه ضمن الصراع الإقليمي. لذلك تقارب فرنسا الأزمة اللبنانيّة من زاويتين متلازمتين: الاحتلال الإسرائيلي من جهة، وغياب احتكار الدولة للقرار العسكري من جهة أخرى.
إشادة لودريان باستمرار المحادثات واعتبارها “أفقًا” للخروج من النزاع تعكس قناعة فرنسيّة بأنّ أيّ مسار، ولو ناقصًا، أفضل من الانفجار الكامل. لكنّ المشكلة أنّ الأفق الدبلوماسي يفقد معناه حين لا يواكبه تبدّل فعلي في الميدان. فإذا بقي الجنوب يُستنزف يوميًّا، فإنّ الحديث عن هدنة سيبدو أقرب إلى إدارة الوقت منه إلى صناعة الحلّ.
الجنوب: الهدنة كغطاء للوقائع الجديدة
على الأرض، تكاد الصورة تكون أوضح من كلّ التصريحات. إسرائيل لا تنتظر نتائج التفاوض كي ترسم حدود نفوذها الأمني، بل تفعل ذلك بالنار. الإنذارات المتكرّرة للسكان، وتوسيع نطاق الاستهداف، ومنع العودة إلى القرى، كلّها عناصر في سياسة واحدة تهدف إلى تحويل الشريط الحدودي إلى منطقة معلّقة، لا هي محرّرة ولا هي خاضعة لسيادة لبنانيّة فعليّة.
بهذا المعنى، لم تعد الهدنة إطارًا لخفض التصعيد، بل مظلّة سياسيّة تسمح بتدوير العنف. فإسرائيل لا تعلن حربًا شاملة، لكنها تمارس ما يكفي من الضغط لإفراغ القرى وفرض معادلاتها. وهذا ما يجعل الجنوب ساحة اختبار للنيّات الحقيقيّة: هل تريد تل أبيب وقفًا للنار أم تريد هندسة أمنيّة جديدة تسبق أيّ اتفاق؟
البنتاغون: الصراع على جدول الأعمال قبل الاجتماع
الاجتماع الأمني اللبناني، الإسرائيلي، المرتقب في البنتاغون لا يختصر الأزمة، لكنّه يكشف عنوانها الحقيقي: من يحدّد جدول الأعمال؟ فإسرائيل تريد أن تنتقل بالنقاش من وقف العدوان والانسحاب إلى ترتيبات أمنيّة تمسّ مباشرة بمستقبل الجنوب وسلاح حزب الله. أمّا لبنان، أو ما يفترض أن يكون موقف لبنان، فيحاول تثبيت أولوية وقف النار، والانسحاب، وتمكين الجيش من الانتشار وفق السيادة الوطنيّة لا وفق الشروط الإسرائيليّة.
المؤسّسة العسكريّة، بحسب المعطيات المتداولة، أعدّت ملفّها على قاعدة إبراز ما قامت به، وما يمكن أن تقوم به، في إطار خطّة الانتشار وحصر السلاح بيد الدولة. غير أنّ الجيش لا يستطيع وحده أن يحمل عبء قرار سياسي لم يُحسم داخليًّا. فحصر السلاح ليس مسألة تقنيّة تُناقش في اجتماع أمني، بل ملف وطني كبير يحتاج إلى غطاء سياسي جامع واستراتيجيّة واضحة لمواجهة إسرائيل.
لذلك، تبدو المعركة قبل الاجتماع أهمّ من الاجتماع نفسه. فإذا ذهب الوفد اللبناني بموقف مشتّت، ستسعى إسرائيل إلى توسيع الثغرات. وإذا ذهب بموقف موحّد، يستطيع على الأقلّ منع تحويل الطاولة إلى محكمة سياسيّة للبنان. لكنّ بلوغ هذا الحدّ الأدنى من التوحيد ليس مضمونًا، في ظلّ إصرار الثنائي الشيعي على أن لا تفاوض ذا معنى قبل وقف إطلاق النار، وفي ظلّ رغبة أطراف أخرى في استخدام اللحظة للضغط باتجاه بحث السلاح.
حزب الله يرفع السقف الدبلوماسي
مذكرة كتلة “الوفاء للمقاومة” إلى السفارات العربيّة والأجنبيّة لا تنفصل عن هذا الاشتباك السياسي. فهي محاولة لنقل رواية حزب الله إلى الخارج، وتثبيت فكرة أنّ ما يجري ليس مجرّد مواجهة حدوديّة، بل عدوان إسرائيلي متمادٍ على دولة ذات سيادة. الكتلة تضع الخروقات الإسرائيليّة، والاحتلال، والتهجير، واستهداف المدنيين، في سياق واحد: فشل المجتمع الدولي ورعاة الاتفاق في إلزام إسرائيل بما وقّعت عليه.
لكنّ المذكرة تحمل أيضًا رسالة داخليّة. فالحزب يريد القول إنّ أيّ نقاش حول السلاح يجب أن يبدأ من السؤال عن وظيفة هذا السلاح في ظلّ عجز الدولة والمجتمع الدولي عن وقف الاعتداءات. وبذلك يعيد ترتيب الأولويّات: الانسحاب أوّلًا، وقف العدوان أوّلًا، عودة الأهالي أوّلًا، ثمّ يُفتح النقاش اللبناني حول الاستراتيجيّة الدفاعيّة.
هذه المقاربة تصطدم بطبيعة الحال برؤية خصوم الحزب، الذين يعتبرون أنّ استمرار السلاح خارج الدولة يمنح إسرائيل ذريعة دائمة للتدخّل، ويمنع لبنان من التفاوض كدولة كاملة السيادة. وهكذا يدور البلد في الحلقة نفسها: الحزب يقول إنّ السلاح نتيجة الخطر الإسرائيلي، وخصومه يقولون إنّه أحد أسباب استمراره. وبين المنطقين، تغيب القدرة على إنتاج تسوية داخليّة حاسمة.
إيران تمنع عزل الحزب عن طاولة المنطقة
في الخلفيّة الإقليميّة، لا يمكن فصل ما يجري في لبنان عن خطوط التفاوض الأوسع. إيران تتعامل مع الساحة اللبنانيّة كجزء من سلّة ملفاتها، لا كملف منفصل يمكن تسليمه للدولة اللبنانيّة أو للوسيط الأميركي وحده. لذلك تحرص على إبقاء حزب الله داخل صورة التفاوض، ولو من خلف الستار، منعًا لعزله لبنانيًّا أو إخراج لبنان من معادلة النفوذ الإيراني في المنطقة.
زيارات وفود من الحزب إلى إيران وروسيا وباكستان، وفق المعطيات المطروحة، تعني أنّ الحزب لا ينتظر فقط ما ستقرّره الدولة اللبنانيّة في البنتاغون أو في الجولات السياسيّة اللاحقة. إنّه يقرأ الحرب من زاوية إقليميّة أوسع: مستقبل المواجهة مع إسرائيل، شكل التفاهم الأميركي، الإيراني، موقع روسيا وباكستان في الاتصالات، وإمكان تحويل وقف الحرب إلى تفاهم سياسي أوسع.
أمّا الكلام عن دعم مالي إيراني محتمل للحزب، بنسبة من الأموال التي قد تنجح طهران في تحريرها، فيكشف أنّ مرحلة ما بعد الحرب ستكون ماليّة بقدر ما هي أمنيّة وسياسيّة. فالحزب يحتاج إلى ترميم بيئته وإعادة بناء قدراته وتعويض الخسائر. وإيران، إذا حصلت على انفراج مالي، ستستخدم جزءًا منه لتثبيت نفوذها في ساحات أساسيّة، وفي مقدّمها لبنان.
ما بعد الحرب: استراتيجيّة دفاعيّة أم احتواء للسلاح؟
السؤال الحقيقي لا يتعلّق فقط بوقف النار، بل بما بعده. فإذا وافقت إسرائيل على انسحاب ما، أو على ترتيبات تخفّف التصعيد، فماذا سيكون مصير السلاح؟ هل يدخل لبنان في حوار داخلي تحت عنوان “الاستراتيجيّة الدفاعيّة”، كما يريد حزب الله، أم في مسار هدفه “احتواء السلاح” وإخضاعه تدريجيًّا لقرار الدولة، كما تطالب قوى داخليّة وخارجيّة؟
الفارق بين العنوانين ليس لغويًّا. “الاستراتيجيّة الدفاعيّة” تعني، بالنسبة إلى الحزب، البحث في دمج وظيفة المقاومة ضمن تصوّر وطني لمواجهة إسرائيل، من دون التسليم الفوري بنزع السلاح. أمّا “احتواء السلاح” فيعني، بالنسبة إلى خصومه، بدء مسار ينتهي إلى احتكار الدولة الكامل للقوّة. وبين هذين المفهومين تقع العقدة اللبنانيّة الكبرى.
إسرائيل، من جهتها، تريد استباق هذا النقاش بفرض شروط ميدانيّة تجعل السلاح بلا وظيفة جنوب الليطاني، وربّما أبعد من ذلك. وواشنطن تريد ترجمة الضغط العسكري إلى مكاسب سياسيّة. أمّا لبنان الرسمي، فيحاول الإمساك بعصا رفيعة من الوسط: لا يستطيع تحدّي الحزب، ولا يستطيع تجاهل الضغط الدولي، ولا يستطيع ترك الجنوب مشرّعًا أمام الاحتلال.
المدن
The post لبنان في فخّ إسرائيل المزدوج: ابتزاز المفاوضات أو حرب مفتوحة appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.






