كل الخيارات خاسرة: لبنان في تسارع بلا حسم

التاريخ: 24 آذار 2026
كل الخيارات خاسرة: لبنان في تسارع بلا حسم

اخبار الجلسة متوفرة الآن مجاناً عبر خدمة واتساب... اضغط هنا

اضغط هنا

يعيش لبنان اليوم انكشافاً بنيوياً لنظام حكم بلغ حدوده الداخلية القصوى. والحرب الدائرة ليست سبب هذا الانكشاف، بل دفعت التناقضات الداخلية إلى نقطة الغليان. منذ العام 2005، قام النظام اللبناني على معادلة فريدة من نوعها، يمكن وصفها بـِ “الغلبة بلا حكم”: حزب الله أقوى من الدولة، لكنه لا يحكمها بالكامل؛ يضبط سقفها من دون أن يتحمل كلفتها. الآخرون يعارضونه، لكنهم يعارضونه ضمن الإطار الذي رسمه هو. معارضة داخل القفص: يرفّ الطائر بجناحيه لكنه لا يُغادر. هذه الصيغة كانت ممكنة لأنها اشتغلت في الظل. إملاء صامت لا يحتاج إلى إعلان لكي يُطاع. وقوة هذا النوع من الهيمنة تكمن تحديداً في عدم اختبارها.

الحرب الإسرائيلية نقلت الغلبة من الحيّز الضمني إلى الحيّز الصريح، ومن الإملاء الصامت إلى الاختبار العنيف. وحين تُختبر القوة على هذا النحو، تفقد ما هو أثمن منها: قدرتها على أن تبدو طبيعية. فالهيمنة التي تُفرض بالعنف تكشف عجزها عن الاكتفاء بالإقناع. فسلاح الحزب، الذي كان رمز قوته وسر هيمنته، تحول في لحظة الحرب إلى عبء كشف هشاشته. حين كان السلاح في الظل، كان يحكم؛ حين خرج إلى العلن كورقة دائمة، أصبح يكلّف. والكلفة لم تعد عسكرية فحسب، بل اجتماعية وسياسية ووجودية: من يملك قرار الحرب يحمل الآن وزر دمارها. فالسؤال لم يعد من يملك القرار، بل من ينام تحت ركامه.

في المقابل، لم تستعد الدولة اللبنانية الشرعية الفعلية، بل استعادت لغتها. الدولة تتكلم بلغة السيادة من دون أن تملك أدواتها، تُعلن احتكار العنف من دون أن تقدر على فرضه. هكذا تنشأ “أزمة الشرعية المزدوجة”: لا الدولة تملك شرعية فعلية كاملة، ولا القوة الموازية تملك بديهية مقبولة. الاثنان يتبادلان العجز، ويشتركان في إنتاج الفراغ. والفراغ في السياق اللبناني ليس مجرد غياب، بل هو بنية قائمة بذاتها. فراغ بنيوي لا يعني أن لا شيء يحدث، بل يعني أن ما يحدث يجري من دون مرجعية تحكمه أو إطار ينظمه. هذا الفراغ هو مجال مفتوح لإعادة التشكل، ولكنه أيضاً مجال للفوضى.

لبنان لا يقف فقط عند تقاطع أزمات، بل داخل بنية انهيار مركّب تتآكل فيها المستويات الثلاثة في آنٍ واحد: داخلياً، لم تعد المؤسسات تفقد فعاليتها فحسب، بل فقدت معناها كمصدر للشرعية؛ سياسياً، لم تعد قواعد اللعبة القديمة قابلة للتعديل، بل أصبحت غير قابلة للاستعادة أصلاً؛ وخارجياً، لا تفرض الحرب ضغطاً عابراً، بل تعيد تعريف موقع لبنان نفسه ضمن توازنات إقليمية جديدة تُرسم بالقوة. غير أن المعضلة الأعمق ليست في حدّة كل مستوى على حدة، بل في عجز أيٍّ منها عن إنتاج لحظة حسم. فنحن أمام أزمة بلا ذروة، وانهيار بلا نقطة انهيار نهائية. وهنا تحديداً تتشكل الخطورة: ليست في التزامن فقط، بل في الترابط البنيوي بين هذه المستويات: الانهيار الداخلي يُضعف قدرة الدولة على استيعاب الضغط الخارجي، والضغط الخارجي يُعمّق الأزمة السياسية الداخلية، والأزمة السياسية تُفاقم انهيار المؤسسات. دائرة مفرغة، لا بداية لها ولا نهاية واضحة.

في هذا السياق، لا تكمن المشكلة في غياب الخيارات، بل في طبيعتها البنيوية كخيارات خاسرة. فإعادة ترميم التوازن القديم لم تعد سوى محاولة لإحياء نظام فقد شروط بقائه؛ والانزلاق نحو مواجهة أوسع لا يفتح أفقاً للحسم بقدر ما يوسّع رقعة الانكشاف؛ أما التسويات الخارجية، فليست حلولاً بقدر ما هي إعادة توزيع للخسائر وفق موازين قوى لا يملك لبنان التأثير فيها. بذلك، فكل مسار محتمل يحمل في داخله عناصر عدم استقرار جديدة.

The post كل الخيارات خاسرة: لبنان في تسارع بلا حسم appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.

المصدر: Lebanon Files

شارك الخبر عبر منصات التواصل الإجتماعي

تم الاشتراك بنجاح!

إبق على علم بآخر الأخبار عبر الاشتراك بصحيفتنا الإخبارية