أتت زيارة الموفد الفرنسيّ إلى لبنان جان إيف لودريان لبيروت ضمن المسار “الاستلحاقيّ” الذي تحاول باريس من خلاله الإبقاء على دور “وظيفيّ”، أو مؤثّر، في لبنان والمنطقة، وقد حمل معه جملة ثوابت وتمنّيات في لحظة هي الأكثر ترجمة للانخراط الأميركيّ الواسع في الملفّ اللبنانيّ، ولتأرجح لبنان بين خيارين: استئناف الحرب على نطاق أوسع بين إسرائيل و”الحزب”، أو إرساء تفاهم لوقف إطلاق نار شامل يختبر راهناً امتحاناً حسّاساً وخطِراً.
في مجمل اللقاءات التي أجراها الموفد الفرنسيّ ظهرت التوجّهات الفرنسيّة الآتية:
– دعم كامل للمفاوضات المباشرة التي يتولّاها رئيس الجمهوريّة جوزف عون، وللمسار الرئاسيّ والحكوميّ، ولنتائج التفاوض حتّى الآن، مع التركيز على ضرورة وقف إطلاق النار فوراً، بعد محطّات أُعلن فيها هذا الأمر ولم يتمّ التزامه. في المقابل، كان من الممكن لمس الدور الفرنسيّ التقديريّ للرئيس نبيه برّي، ومروحة اتّصالاته الواسعة في المرحلة الحاليّة. يصبّ ضمن هذا السياق “اللينك” المفتوح لبرّي مع واشنطن وطهران وباريس والرياض والقاهرة والدوحة، وهذا ما يراه الفرنسيّ مساراً ضروريّاً حين يتعلّق الأمر بالوقوف على التوجّه الشيعيّ في ما يخصّ ملفّ التفاوض، وسلاح “الحزب”، والوحدة الداخليّة، والخيارات المطروحة لمرحلة ما بعد “اليونيفيل”.
– تزامنت زيارة لودريان مع موقف الأمين العامّ للأمم المتّحدة أنطونيو غوتيريش الذي حمل العصا من النصف: حثّ “الحزب” على التزام قرارات الحكومة وتنفيذ قرار حصر السلاح بيد الدولة، ودعوة “إسرائيل إلى الانسحاب من لبنان”، وهو موقف يعكس التوجّه الفرنسيّ مع التركيز على عدم تقديم (الحزب) ذرائع كي تبقى إسرائيل في المواقع التي احتلّتها.
– تبرز الزيارة الفرنسيّة ضمن سياق تحرّك أوسع يَشمل التنسيق السعوديّ القطري، وليست منفصلةً عنه، لكن من دون وجود مبادرة أو مشروع حلّ، إذ تتركّز جهود هؤلاء الوسطاء على تضييق فجوات الخلاف في شأن الاتّفاق العتيد، ومنع احتمال وقوع الحرب مجدّداً، مع تركيز فرنسيّ واضح على ضرورة “توفير مقوّمات الوحدة الوطنيّة في هذه المرحلة الحافلة بالمخاطر والتحدّيات”.
– تولي فرنسا اهتماماً استثنائيّاً يرتبط بمصير جنوب لبنان بعد انتهاء مهامّ “اليونيفيل” نهاية العام، مع الإصرار على إيجاد إطار أمميّ لقوّة أوروبيّة ذات صلاحيّات مُحدّدة في ما تعتبره مرحلة انتقاليّة بين الحرب والسلم، ومرحلة نزع السلاح.
– تزامنت زيارة لودريان مع إعلان الاتّحاد الأوروبيّ دعم الجيش اللبنانيّ بـ 100 مليون يورو “لتعزيز القدرات والإمكانات الدفاعيّة للجيش اللبنانيّ”، وبذلك يصل إجماليّ الدعم الأوروبيّ، وفق مجلس الاتّحاد الأوروبيّ، على أربع دفعات متتالية في السنوات الماضية، إلى 182 مليون يورو حتّى تاريخه، وذلك “لمساعدة الدولة على ترسيخ حصريّتها للسلاح ونزع سلاح “الحزب””.
هو المسار نفسه الذي تنشط من ضمنه باريس من أجل الإعداد مجدّداً لمؤتمر دعم الجيش، الذي كان مقرّراً في 5 آذار الماضي وأُجّل بسبب الحرب، بالتزامن مع مساعي وقف إطلاق النار. لكنّ المعلومات تؤكّد أنّ واشنطن غير معنيّة في هذه المرحلة بالانخراط في التحضير للمؤتمر، ولا تزال تربط أيّ مساعدات يطلبها الجيش بمسار المفاوضات اللبنانيّة-الإسرائيليّة، ونتائجها الميدانيّة.
– أكّد الرئيس الفرنسيّ أنّ “باريس منخرطة في آليّة التنسيق مع واشنطن، وتفعيل هذه الآليّة مرهون بجدّية وقف إطلاق النار لضمان متابعته، والتحقّق من بنوده ميدانيّاً”. مع ذلك، لا تتصرّف واشنطن على أساس أنّ هناك آليّة أصلاً، وقد تكفّلت منذ أشهر بوضع حدّ لهذا التنسيق عبر آليّة “الميكانيزم” التي تعاني راهناً من قصور كبير في تلبية طلبات توجَّه إليها من الجيش اللبنانيّ أو منظّمات دوليّة تحاول إدخال مساعدات إلى القرى الحدوديّة.
في الوقائع، فرنسا المُبعدة، بقرار أميركيّ، تماماً عن المفاوضات اللبنانيّة-الإسرائيليّة، والتي سعت في وقت سابق إلى أن تحصل المفاوضات الثنائيّة على أرضها، وعرضت وساطتها أكثر من مرّة، تحاول مرّة جديدة عدم الرضوخ للقرار الأميركيّ باستبعادها عن الساحة اللبنانيّة.
لذلك تتوقّع مصادر معنيّة ضغطاً فرنسيّاً متزايداً في ملفّ الإبقاء على الوجود الأوروبيّ في جنوب لبنان، مع نهاية ولاية “اليونيفيل”، ضمن صياغة يُتّفق عليها في الأمم المتّحدة. فرنسا التي رحّبت بالاتّفاق الذي أُعلن غداة الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانيّة-الإسرائيليّة، تتوجّس فعلاً من أن يتحوّل جنوب لبنان إلى منطقة عازلة تأتمر بالقرار الإسرائيليّ، مع خطرين اثنين:
– إبقاء الجيش اللبنانيّ، لفترة طويلة خارج نطاق هذه المنطقة، بفعل الكباش العسكريّ بين إسرائيل و”الحزب”، والتعقيدات التي قد تؤخِّر كثيراً ملفّ الترتيبات الأمنيّة بين لبنان وإسرائيل.
– حظر الوجود الأوروبيّ في جنوب لبنان، بكلّ أشكاله، وهو ما ستكون له تداعيات مباشرة على علاقة دول أوروبيّة عدّة، على رأسها فرنسا، مع الداخل اللبنانيّ.
يُذكر أنّه، بدعوة من رئيس لجنة الصداقة اللبنانيّة-الفرنسيّة النائب سيمون أبي رميا، يزور وفد نيابيّ فرنسيّ وأوروبيّ بيروت الأسبوع المقبل برئاسة النائب الفرنسيّ Arnaud Le Gall، وسيلتقي الرؤساء الثلاثة ومرجعيّات سياسيّة.
ملاك عقيل- أساس ميديا
The post فرنسا: ندعم المفاوضات ولكن… appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.








