يستحيل ذكر مدينة صور، من دون بحرها ومراكبها وروّاد شاطئها، فالبحر أوكسجين المدينة على المستوى السياحي وركن أساسي من يوميات الصوريين ومتنفّس لأهالي القرى المجاورة، ومقصد للزوّار من مختلف المناطق اللبنانية، فضلاً عن السيّاح العرب والأجانب. لكنّ جولات الحرب منذ 8 تشرين الأول 2023 حتى اليوم، تركت آثارها السلبية على الشاطىء والمدينة. على أنّ الجولة الأخيرة منذ 2 آذار، كانت الأقسى. واتّساع أمدها الزمني حتى حزيران الجاري، هَدَّدَ الموسم الصيفي، إلاّ أنّ وقف إطلاق النار الذي استقرّ نسبياً في منذ منتصف الشهر، شكَّلَ قشّة الخلاص التي يتعلّق بها اليوم أصحاب الخيم البحرية والمراكب السياحية، آملين تثبيت وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي وعودة الحياة إلى المدينة وجوارها، خصوصاً حياة الصيف، علّها تعوّض بعض الخسائر.
حتى وقت قريب، سيطرَ الخوف على أصحاب الخيم البحرية والمراكب السياحية، إذ كانت مؤشرات استمرار الحرب تتصاعد، وتالياً تنذر بخسارة الموسم الصيفي. فعلى الشاطىء، كان من المفترض تسلّم تراخيص العمل في الخيم البحرية في أواخر شهر أيار، وفي منتصف حزيران تكون حياة الشاطىء قد انطلقت. وللمصادفة، توقّفَ إطلاق النار في منتصف حزيران، فسارعت بلدية صور وأصحاب الخيم إلى تعويض ما فاتهم من وقت. ووفق ما يؤكّده رئيس البلدية حسن دبوق “سارت الأمور ضمن مسارها الطبيعي”. ويلفت دبوق النظر في حديث لـِ “المدن” إلى أنّ البلدية “جهّزت كل ما يلزم منذ شهر شباط، لاستباق الموسم الصيفي، لكن لم نكن نتوقّع الحرب”. ويضيف بأنّ الأوراق والموافقات المطلوبة من الوزارات المعنية “جرى استكمالها، وحصلنا على الموافقات من وزارة البيئة ومحافظ الجنوب ووزارة الداخلية وغيرها، وبتنا جاهزين للبدء بالعمل”.
الخطوة الأولى بدأت بالفعل، يوم الخميس الماضي، عبر تسوية الرمل وتجهيز الأرضية قبل تركيب الخيم، فمياه البحر والأمطار والرياح يعبثون بالشاطىء الرملي، ويصبح من الضروري الاستعانة بالآليات لجعل المساحة التي ستبنى عليها 50 خيمة، مستوية بأكبر قدر ممكن. فضلاً عن تجهيز البنية التحتية للحمّامات والمطابخ للخيم. ولهذه الخطوة “وجه معنوي يرتبط بتراث وثقافة المدينة وضواحيها”، بحسب دبوق الذي يرى بأنّ انطلاق الموسم البحري “يقدّم للمدينة مردوداً اقتصادياً ويؤمّن فرص عمل لشبابها وشباب القرى المحيطة”.
بدء التحضير لتركيب الخيم، يعني بالنسبة لأصحاب الخيم البحرية “إنقاذ الكثير من العائلات”، وفق ما تقوله مالكة الخيمة التي تحمل اسم “عشرة ونص”، أمل وزني، التي تشير في حديث لـِ “المدن” إلى أنّ أصحاب الخيم البحرية “يعملون في الصيف ليعيشوا باقي أشهر السنة، تماماً كمن يعمل في الشتاء خلال موسم الثلج”. ولا تخفي وزني قلقها من خسارة الموسم سواء قبل وقف إطلاق النار أو خلاله، جرّاء احتمال خرقه والعودة إلى جولات الحرب.
افتقاد المغتربين والسياح
بحسب وزني، هذا هو الموسم الصيفي الثالث الذي لا يتناسب مع التوقّعات. فالخطر المستمر منذ 2023 لا يترك مساحة آمنة لمن اعتاد التوجّه إلى شاطىء صور، خصوصاً من المغتربين والسيّاح. وتؤكّد وزني أنّه مع وقف إطلاق النار في نهاية العام 2024 “لم يكن الموسم الصيفي في العام 2025 كما أردناه، لأنّ التوتّر الأمني استمر مع الاستهدافات الإسرائيلية والأجواء السلبية التي لم يألفها السيّاح أو اللبنانيين الذين اعتادوا القدوم إلى صور من مناطق أخرى، كما انّ حركة المغتربين كانت خفيفة”.
ومع ذلك، تحتفظ وزني ببعض الأمل “رغم انكسار المدينة وضواحيها بفعل الدمار الهائل الذي تركته الحرب”. وينطلق الأمل من “المساعدة التي سيقدّمها اللبنانيون لأبناء صور. فبالتأكيد سيأتي الكثير من الأشخاص للاطمئنان علينا وتشجيعنا على استعادة الحياة في صور وضواحيها، خصوصاً أنّ حركة المدينة لا تقتصر على البحر وإنما تمتد إلى المطاعم والمحال التجارية والشوارع والقرى المحيطة، إذ أنّ الخيم الـ 50 على البحر تشكّل مصدر رزق للكثير من عائلات الموظّفين، فأقل خيمة فيها 10 موظفين؛ أي نحو 10 عائلات تعتاش منها”.
التعويل على استعادة النشاط لا ينحصر بأصحاب الخيم البحرية، بل يمتد إلى أصحاب المراكب السياحية الذين كانوا ينتظرون البدء بأعمال الصيانة في شهر نيسان وتحضير ما يلزم لاستقبال الموسم الصيفي في شهر حزيران. على أنّ “الحجوزات تمتد من شهر حزيران إلى شهر أيلول”، وفق ما يؤكّده صاحب مركب “Lady of the sea” للرحلات السياحية في صور، حسن عاشور.
وحتى الأمس القريب، كان عاشور يتخوّف من خسارة الموسم السياحي، خصوصاً وأنّ الجنوب “يعيش فعلياً في زمن الحرب منذ 3 سنوات، وأبناء بيروت والجبل يخافون المجيء إلى صور بسبب الأجواء الأمنية الصعبة”. وهذا الواقع، وضعَ أصحاب المراكب السياحية “في ورطة كبيرة”. ويشير عاشور في حديث لـِ “المدن”، إلى أنّ أصحاب المراكب “يعملون في الصيف ليعيشوا في الشتاء. وأجواء الحرب تنذر بخسارة الموسم، وتالياً عدم تأمين مورد مالي لأصحاب المراكب يغطّي مصاريف الشتاء”.
ويأسف عاشور لما وصلت إليه الأحوال في الحرب، فعلى المستوى المالي “ما جمعناه من المواسم السياحية، صرفناه في الحرب”. ويلفت عاشور النظر إلى أنّ محاولة العمل خارج صور، في مناطق مثل جونية “أمر صعب، لأنّه يتطلّب تصاريح الدخول إلى الميناء واستئجار مربط للسفينة وهذا الأمر يكلّف بين 8 إلى 9 آلاف دولار لتغطية 3 أشهر. علماً أنّ الزبائن كانوا يسألون عن إمكانية الحجز خلال فترة الحرب في منطقة جونية، لكن الجانب القانوني لم يكن يسمح باستقبال الزبائن هناك”. ومع وقف إطلاق النار، يقول عاشور أنّ “المركب جاهز لاستقبال الناس. ونأمل أن يكون الموسم جيّد”. ورغم الجهوزية لاستقبال الموسم الصيفي، يرى عاشور أنّ “ما شهدناه من إقبال قبل 4 أو 5 سنوات، لن نراه اليوم، بسبب الأوضاع الحذرة. فالجوّ العام متوتّر، والناس خسرت الكثير، لذلك لا يمكن انتظار موسم سياحي بالمعنى الواسع، لكن نأمل خيراً”.
العودة إلى صور في شهر حزيران، إثر وقف إطلاق النار، ليست فقط عملية إطلاق للموسم الصيفي، بل أيضاً استعادة لحيوية المدينة التي لطالما شكّلت مقصداً لكل اللبنانيين من مختلف المناطق، إلى جانب المغتربين والسيّاح. إلاّ أنّ القلق لا يختفي تماماً، إذ أنّ الأجواء الأمنية ما زالت حذرة، وعليه، ينتظر أصحاب الخيم البحرية والمراكب، الاستفادة من الموسم الصيفي في ظلّ الهدوء الراهن.
خضر حسان- المدن
The post صور تتحضر لموسم صيفي حذر: البحر ينتظر رواده appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.








