قد يكون من الصعب ايجاد توصيف دقيق للوضع اللبناني الراهن، في ظل حالة “انفصام” حاد في الشخصية الوطنية امام استحقاقات مصيرية، لا تجد عند الكثيرين من يقدر حجم خطورتها وتداعياتها على المديين القصير والبعيد. لكن التدقيق في حال المنطقة والحروب الدائرة في اكثر من ساحة، يكتشف ايضا ان “المرض” اللبناني ليس فريدا من نوعه، وقد لا يكون الحال لدى العدو الاسرائيلي اكثر اشراقا، في ظل شرخ مجتمعي وسياسي وتخبط على مستوى تحقيق اهداف حروب، باتت ترتبط فقط بتحقيق مصالح بنيامين نتانياهو ، الذي وصفه رئيس الحكومة الاسبق ايهودا باراك بالامس ” بالحيوان المسعور”، الذي سيفعل اي شيء لينجو بنفسه بعيدا عن مصالح “اسرائيل”..
وقد يكون الضلع الثالث لهذا المثلث موجود في واشنطن، حيث تطغى نرجسية الرئيس الاميركي دونالد ترامب على كل حسابات منطق الربح والخسارة، وبات مزاجه الشخصي البوصلة التي تحدد مجريات وطبيعة الاحداث في العالم والمنطقة. هذا التوصيف لثلاثة اطراف يفترض ان يجلسوا اليوم على طاولة التفاوض في العاصمة الاميركية، يترك الكثير من الشكوك المنطقية حول امكانية حصول اختراق جدي يمكن التعويل عليه، بحسب مصادر ديبلوماسية، ترى ان كل الاطراف غير جاهزة او غير قادرة على تقديم تنازلات، يمكن ان تفتح مسارا ايجابيا يمكن البناء عليه، لاعادة صياغة مفهوم جديد للصراع القائم، والانتقال الى مرحلة من التفاهمات المشتركة.
وفي هذا السياق، “اسرائيل” العاجزة باقرار كبار قياداتها العسكريين عن الاجهاز على حزب الله عسكريا، تذهب الى التفاوض تحت عنوان الاتفاق مع الدولة اللبنانية، واستمرار القتال مع الحزب، ووفق تلك الاوساط تريد التوصل الى اتفاق ترتيبات امنية، يشبه ما حصل مع السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، وما تحاول استكمال فصوله مع دمشق، اي انشاء ما يشبه “مكتب” تنسيق امني، تكون مهامه التعاون على تفكيك حزب الله عسكريا وامنيا، وهو امر لا يمكن للدولة اللبنانية ان تقبل به، كونه وصفة جاهزة لحرب داخلية، وهو”فخ” اسرائيلي، سيفضي الى الاعلان لاحقا ان الدولة اللبنانية غير قادرة على الايفاء بوعودها، وكل شيء سيبقى معلقا حتى تجريد حزب الله من سلاحه. فما تريده “اسرائيل”صدام مباشر بين الجيش اللبناني والمقاومة، ودون ذلك لا تكون حققت اي من اهدافها.
وهذه الاهداف، لا ترتبط حصرا بما تدعي انه امن المستوطنات، وانما المصلحة الذاتية لرئيس حكومة الاحتلال، المقبل على معركة سياسية داخلية تهدد مستقبله السياسي، وتجعله غير قادر على تقديم اي تنازلات، ووصلت الامور الى حد قول صحيفة ” هآرتس” بالامس، ان “ظهور واحد لنتنياهو في برنامج “ستون دقيقة”، بث أملاً مفاجئاً في نفوس من سئموا من نظام الشر والدمار، الذي يقود “إسرائيل” بذراع تميل إلى الهاوية…فيما دعا زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد إلى حل “الكنيست” الأسبوع المقبل، والتوجه نحو انتخابات مبكرة للانطلاق نحو ما اسماه “مسيرة إصلاح الدولة”.
ولا تبدو الصورة مشرقة لدى الجانب الاميركي، برأي تلك المصادر، فترامب الموجود في بكين بحثا عن مخرج “مشرف” من الحرب، يعرف جيدا انه من الصعب جدا فصل ملف لبنان عن الملف الإيراني ، وهذا ينعكس انعداما للثقة في “اسرائيل” ازاء نواياه، عبر عنه مصدر “اسرائيلي” رفيع المستوى لقناة “سي ان ان” الاميركية، بالقول “القلق الرئيسي هو أن يمل ترامب من المحادثات، ويوقع على صفقة – أي صفقة كانت – مع تقديم تنازلات في اللحظة الأخيرة ، تشمل ما سمّاه “شبكة الوكلاء” والقدرات الصاروخية.. وهذا يشير بوضوح الى المحادثات في واشنطن، ولكن “العين” على ما يحصل في اسلام اباد وبكين.
بالامس، اضطر رئيس حكومة العدو بنيامين نتانياهو الى عقد اجتماع مع كبار القادة الامنيين، بعد لقاء مماثل عقده رئيس الاركان ايال زامير مع اجهزة الاستخبارات العسكرية والشعبة التكنولوجية، دون التوصل الى حلول ناجعة حتى الآن، لمواجهة خطر “محلقات” المقاومة المفخخة، التي تحولت الى تهديد استراتيجي لخطة الجبهة الشمالية. وقد اعترف مسؤول كبير في منظومة الاحتياط البرية بأنه لا يوجد حل تكنولوجي حتى الآن، مؤكداً عدم جدوى إبعاد حزب الله إلى الليطاني، كون هذه المسيرات يمكن إطلاقها لمسافة تصل إلى 60 كيلومتراً.
هذه “الورقة” يمكن للمفاوض اللبناني ان يستفيد منها ، اذا احسن قراءة المشهد بعيدا عن الحسابات الداخلية الضيقة، فالنقاش حول التفاوض المباشر من عدمه لم يعد ذات جدوى، وكل طرف حسم خياراته، الاكثر اهمية راهنا تبقى النتائج، وكذلك الاجابة عن سؤال جوهري يتعلق بماهية موقف المفاوض اللبناني، اذا رفضت واشنطن الضغط على “اسرائيل” لوقف النار؟ والاصرار على ابقاء الضغط الميداني لفرض التنازلات؟ اي ربط وقف النار “بنزع” سلاح حزب الله!
ابراهيم ناصرالدين – الديار
The post شكوك كبيرة تسبق جولة التفاوض.. الأطراف الثلاثة غير قادرة على تقديم التنازلات! appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.




