مع ارتفاع احتمال التوصّل إلى اتفاق على إنهاء الحرب بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، اختلطت الأوراق حول الوضع في لبنان، خصوصاً أنّ هدنة الـ 45 يوماً بين إسرائيل ولبنان باتت في مهبّ المجهول، بعد تصاعد العمليات العسكرية في الجنوب والبقاع. ويبدو أنّ الهدنة أصبحت حبراً على ورق فقط، لأن لا نيّة لدى إسرائيل و”الحزب” للالتزام بها.
ولا توحي الوقائع الميدانية في الجنوب اللبناني بأنّ ما تطالب به إيران في المفاوضات، لجهة وقف الحرب على كل الجبهات، ومن ضمنها لبنان، يلاقي آذاناً مصغية لدى الإدارة الأميركية. وقد أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنّه أعطى تعليماته للجيش الإسرائيلي بأن يسحق “الحزب”.
المزيد من الضغط على “الحزب”
وكشفت معطيات من واشنطن أنّ نتنياهو شدّد، في اتصاله الأخير مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، على ضرورة ممارسة المزيد من الضغط على “الحزب” الذي استفاد من القيود التي فرضها الأخير على إسرائيل في لبنان، ولا سيما في مسألة المسيّرات التي حصدت عدداً لا يُستهان به من الجنود الإسرائيليين. لذلك، كان نتنياهو متشدّداً في فصل جبهة لبنان عن جبهة الصراع المباشر مع إيران، بحيث لا يشمله أي اتفاق قد يحصل بين الإدارة الأميركية والنظام الإيراني.
وتشير مصادر مطّلعة على صلة بوزارة الخارجية الأميركية إلى أنّ نتنياهو يعاني من ضغوط داخلية، ولا سيما من قادة الجيش الذين يطالبون بالردّ بقسوة على مسيّرات “الحزب”، واستهداف العمق اللبناني، وتحديداً الضاحية. وبالرغم من عدم اقتناعه بالتصعيد الشامل، كي لا تُنسف المفاوضات الجارية مع لبنان في واشنطن، إلا أنّ البقاء في إطار المناوشات مع “الحزب” يعرّض الجيش الإسرائيلي للاستنزاف، وهذا ما تفهّمه ترامب، لذلك حرّره نسبياً من القيود. ومن المتوقّع أن تزداد الهجمات الإسرائيلية ضراوة بعد الاجتماع الأمني بين العسكريين اللبنانيين والإسرائيليين المقرّر في 29 أيار الجاري.
واللافت أنّ نتنياهو لديه حسابات داخلية صارح بها المسؤولين الأميركيين، وفق المصادر، إذ يرى أنّ إنهاء الحرب، من دون حسم المعركة ضد “الحزب” وتجريده من السلاح، سيجعله يلقى مصير رئيس الوزراء السابق ايهود أولمرت في العام 2006. لذلك، لن يتراجع أمام أي ضغوط أميركية بعد الاتفاق مع إيران، قبل أن يحقّق مكاسب حقيقية، لأنّ تراجعه سينعكس على شعبيته في أيّ انتخابات مقبلة.
وتؤكّد المصادر أنّ ترامب يعطي المفاوضات مع إيران الأولوية، رغم علمه بترابط الجبهتين الإيرانية واللبنانية، وهو يميل إلى مطلب وقف الأعمال العسكرية على كل الجبهات، بما فيها لبنان. لكن سلوك “الحزب”، وعدم انضباطه على الحدود مع إسرائيل، ومحاولته تقويض جهود الحكومة اللبنانية في المفاوضات، وإطلاق تهديدات بإسقاطها، دفعت ترامب إلى تحرير إسرائيل من القيود، لتوجيه ضربة قوية لـ”الحزب”. وهو يريدها سريعة وخاطفة كي لا تبقى الجبهة مفتوحة، ما قد ينعكس على المفاوضات مع إيران، علماً أنّ الاتفاق أصبح في مراحله الأخيرة.
وقد جاء البيان الأخير لوزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو عالي النبرة ضد “الحزب” ومحاولاته نسف جهود الحكومة اللبنانية، معلناً أنّ الولايات المتحدة لن تسمح له بإسقاطها. وهذا ما ينسجم أيضاً مع العقوبات الأميركية الأخيرة على بعض المتعاونين مع “الحزب” في الدولة العميقة، وتأييد ترامب لحق إسرائيل في التعامل بشكل حاسم مع التنظيم اللبناني العسكري الذي يعتبره إرهابياً.
وتكشف مصادر مطّلعة على سير المفاوضات بين واشنطن وطهران معلومات بأنّ المفاوضين الإيرانيين يسعون إلى الإيحاء للمفاوضين الأميركيين بأنّ لبنان لا يزال تحت سيطرتهم، وأنّ كل ما يفعله “الحزب” من أعمال عسكرية في الجنوب اللبناني مضبوط على الساعة الإيرانية. وترى هذه المصادر أنّ الرسائل الإيرانية متعددة، وهي: أولاً، تريد أن تؤكّد أنّ مفاوضات الحكومة اللبنانية المباشرة مع إسرائيل غير مجدية إذا لم تكن إيران راضية، وأنّ “الحزب” جاهز لنسف هذه المفاوضات. ثانياً، تحاول إيران أن تُفهِم واشنطن بأنّه لا وقف لإطلاق النار في الجنوب ما لم تحصل على مكاسب كاملة على طاولة المفاوضات. وهذا ما يفسّر شدّ الحبال بين إيران والولايات المتحدة الأميركية حول لبنان.
“الحزب” يشكّل عائقاً
وتفيد المعطيات المتوافرة من واشنطن بأنّ الإدارة الأميركية باتت مقتنعة بأنّ “الحزب” يشكّل عائقاً أمام التوصّل إلى سلام بين لبنان وإسرائيل، وبالتالي هناك اتجاه لمنح تل أبيب الضوء الأخضر لإلحاق الهزيمة به، لأنّ ذلك يُعدّ الشرط الأساسي للسلام.
مع ذلك، علمت المدن أنّ واشنطن لا تزال حريصة على استمرار المفاوضات، لأنّها لمست أنّ الجانبين الإسرائيلي واللبناني متفقان على تعاون طويل الأمد لنزع سلاح “الحزب”، وما تحقق حتى الآن غير مسبوق. وبمجرّد القضاء على “الحزب”، تضمن الإدارة الأميركية التوصّل إلى وقف إطلاق النار وانسحاب إسرائيل التدريجي من الجنوب.
وليس واضحاً، وفق المصادر الأميركية، مدى تمسّك إيران بإدراج لبنان في اتفاق وقف إطلاق النار، وما إذا كان ذلك سيهدّد بعرقلة التوصّل إلى اتفاق. وقد يكون هدف النظام الإيراني القول إنّ “الحزب” ليس مجرد وكيل مستجدٍ لإيران، بل شريك في الحرب والسلم.
وتستنتج المصادر الأميركية المطلعة أنّ الإصرار الإيراني على إدراج لبنان في أي اتفاق طويل الأمد لوقف إطلاق النار مع واشنطن، ينطلق من إيمان القادة الإيرانيين بأنّ المحور يكون في أوج فعاليته عندما تعمل مكوّناته بتناغم، وفي أشدّ حالات ضعفه عندما يُترك أحد أجنحته ليواجه مصيره بمفرده وينزف بمعزل عن بقية الشبكة. لذلك، لا يبدو أنّ النظام الإيراني مستعدّ للتخلّي عن شريكه الأقدم، “حزب الله”، لأنّ ذلك قد يدفع حلفاء آخرين في العراق وسوريا واليمن إلى التساؤل عمّا إذا كانت الضمانات الإيرانية مشروطة وقابلة للإلغاء بمجرد أن ترى طهران أنّ تكاليف التضامن باتت باهظة للغاية.
ولا يزال النظام الإيراني يعتبر لبنان ضمن منظومة الردع الخاصة به، بل جزءاً لا يتجزأ منها. وترى المصادر أنّ هذا تحديداً ما يجعل من الصعب على إيران قبول اتفاق وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة من دون مراعاة لبنان.
في المقابل، تؤكّد المصادر المطلعة أنّ واشنطن لن تتساهل مع إيران حيال ضمّ لبنان إلى اتفاق وقف إطلاق النار. فالجانبان الأميركي والإسرائيلي متفقان على أنّ “الحزب” يشكّل خطراً على إسرائيل والدولة اللبنانية معاً. وبات من الواضح أنّ هناك ضوءاً أخضر من الإدارة الأميركية لعملية إسرائيلية أوسع نطاقاً ضد “الحزب”، وسط تصاعد هجمات الطائرات المسيّرة على إسرائيل. وتلفت المصادر إلى أنّ إدارة ترامب لن تسمح لإيران و”الحزب” بتصرّفات عدائية تجاه حليفتها إسرائيل، والأخيرة لن تكتفي بالخضوع السلبي للهجمات على قواتها ومدنيّيها.
جورج حايك – المدن
The post شدّ حبال أميركيّ-إيرانيّ حول لبنان appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.









