في اللحظة التي كانت فيها إسرائيل تتباهى بمنظوماتها “الأقوى عالمياً” للتشويش الإلكتروني، وتستعرض عضلات “الذكاء الاصطناعي” في رصد التهديدات، كان هناك “خيط” رفيع يمتد في سماء الجنوب اللبناني ليقطع الطريق على مليارات الدولارات من الاستثمارات التقنية. مسيّرات الألياف الضوئية ليست مجرد إضافة تقنية لترسانة حزب الله، بل هي “الفكرة البسيطة” التي أعادت صياغة قواعد الاشتباك، محوّلةً التفوق الرقمي الإسرائيلي إلى عبء ثقيل، ومثبتةً أن الحرب لا تُحسم دائماً بمن يمتلك الأقمار الصناعية الأحدث، بل بمن يمتلك “القدرة على الاختفاء” داخل الموجات.
البساطة كفعل مقاوم
في قراءته للميدان، لا يرى العميد الدكتور حسن جوني، في حديثه لـِ “المدن”، أن الابتكار لا يكمن في تعقيد السلاح، بل في اكتشاف الثغرة والعمل عليها بذكاء، خصوصاً في زمن “الديجيتال”. يقول جوني: “دائماً هناك إمكانية اختراق ثغرة معينة بعد اكتشافها، ومهما عظمت الابتكارات، إذا وُجدت النية يستطيع الطرف الآخر اكتشاف الثغرات”.
ويستحضر جوني مقارنة تاريخية تعيدنا إلى لحظة انهيار الأساطير الدفاعية: “بكل بساطة، خط برليف سقط من خلال مضخات الماء في حرب 73، واليوم المسألة هي الألياف الضوئية”. السر يكمن في أن هذه الألياف “ليست طريقة اتصال لاسلكي لكي يصار إلى اعتراضها والتشويش عليها، وهذا هو السر الكامن في هذه النقطة تحديداً”
يبلغ قطر سلك الألياف الضوئية المستخدم في هذه المسيّرات نحو 0.15 ملم فقط (أرق من شعرة الإنسان)، لكنه ينقل بيانات وصوراً فائقة الدقة (4K) بلا أي تأخير، مما يمنح المشغّل قدرة على المناورة والدخول من نوافذ الأبنية أو فتحات الدبابات الصغيرة، بعيداً عن أعين الرادارات التي باتت “عمياء” أمام هذه “الذبابة السلكية”.
“شرطي مرور” وحالات هلع
تجاوز تأثير هذا السلاح عدد الإصابات المباشرة، ليدخل في صلب “كيّ الوعي” لدى الجندي الإسرائيلي، محولاً إياه من “صياد” تقني إلى طريدة تترقب السماء بقلق وجودي. يصف جوني لـِ “المدن” هذه الحالة بأنها خلقت “حالة هلع في صفوف قوات جيش الاحتلال”.
هذا التوصيف لـِ “شرطي المرور” يجد صدىً صريحاً في تقارير الصحافة العبرية؛ ففي تقرير لصحيفة “يديعوت أحرونوت”، ينقل مراسلون عسكريون عن جنود في لواء “غولاني” قولهم إنهم يعيشون حالة من استنزاف الحواس، حيث “يقضي الجنود 24 ساعة وأعينهم معلقة بالسماء، حتى باتت الأرقاب متعبة من مراقبة الأفق خوفاً من ظهور تلك النقطة السوداء القاتلة”.
أما موقع “والاه” العبري، فقد ذهب أبعد من ذلك بوصفه هذه المسيّرات بأنها هي من “تحدد جدول أعمال الجنود الميداني”؛ فهي التي تفرض عليهم “التجمد” في أماكنهم لساعات، وهي التي تمنح “إذن المرور” أو تمنعه عن طرق الإمداد. هكذا، تكتمل صورة العجز التقني؛ فرادارات “القبة الحديدية” التي صُممت لاعتراض الصواريخ الباليستية، تقف اليوم مشلولة أمام “خيط بصري” لا يصدر ذبذبات، ولا يترك خلفه أثراً رقمياً يمكن تتبعه، مما يترك الجندي الإسرائيلي وجهاً لوجه أمام قدره المحتوم.
وهم الحلول و”الطمأنة” النفسية
تبدو الحلول الإسرائيلية المقترحة من إنشاء مصانع لمسيّرات مقابلة أو تركيب شباك حديدية تحوّل “الميركافا” إلى ما يشبه “الأقفاص” مجرد محاولات لترميم المعنويات المنهارة.
يعلق جوني لـِ “المدن”: “كل الحلول التي تقدمها إسرائيل الآن هي لإقناع عسكرييها أولاً لطمأنتهم.. لو كان هناك أمر مجدٍ فعلاً لكانوا استخدموه”. فالمشكلة التقنية هي أن السلك البصري يجعل المسيّرة “صماء” تجاه أي حرب إلكترونية؛ كأنك تحاول التشويش على مكالمة هاتفية باستخدام “خيط وكوبين” عبر قنبلة كهرومغناطيسية؛ الأمر ببساطة لا يعمل.
من التكتيك إلى المأزق الاستراتيجي
يضع جوني المعادلة في خواتيمها؛ فالمسألة بدأت تلامس الخيارات الاستراتيجية الكبرى. فإذا عجزت إسرائيل عن حماية جنودها في “المنطقة العازلة” أمام إصابات يومية محققة، فإن خياراتها تضيق بين الانسحاب أو الانكفاء الجوي الكامل.
ويختم رؤيته بالقول: “إذا بقي الجنود محتمين في حصون مقفلة، فهذا يعني أنهم (أموات) في هذه الأرض؛ لا يستطيعون تحقيق الأمن لمستوطنات الشمال، وهذه مهمتهم الأساس”. هي مفارقة السلك الرفيع الذي بات يهدد بتعديل مسار العمليات الإسرائيلية برمتها، واضعاً “الجيش الذي لا يقهر” رهينة لطائرة مسيّرة رخيصة، نجحت في تحويل التفوق التكنولوجي الإسرائيلي إلى قيد تقني لا يجد له فكاكاً.
مالك دغمان – المدن
The post "خيط" حزب الله الرفيع يثير هلع الجيش الإسرائيلي جنوباً appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.





