في خضمّ الحرب التي يعيشها لبنان وما نتج عنها من موجات نزوح كبيرة باتجاه العاصمة بيروت، برزت في الأيام الأخيرة سجالات إعلامية وسياسية تناولت رئيس المجلس البلدي في بيروت إبراهيم زيدان والنائب البيروتي فؤاد مخزومي. وقد أثارت هذه السجالات نقاشاً واسعاً حول طبيعة ما جرى تداوله في بعض وسائل الإعلام، وحدود التمييز بين النقد السياسي المشروع وبين ما يصفه بعض المتابعين بمحاولات التحوير أو الاستهداف السياسي.
ففي وقت تواجه فيه العاصمة بيروت ضغوطاً غير مسبوقة نتيجة النزوح الداخلي، تتجه الأنظار إلى مختلف القوى السياسية والبلدية لمعرفة كيفية تعاملها مع هذه الأزمة الإنسانية واللوجستية. وقد تحوّل النقاش في الأيام الأخيرة إلى جدل سياسي وإعلامي بعد نشر تقرير في صحيفة الاخبار تناول أداء رئيس بلدية بيروت وما نُسب إليه من مواقف خلال أحد الاجتماعات المتعلقة بملف النازحين.
وبحسب الرواية التي جرى تداولها في بعض الأوساط، فإن كلام رئيس المجلس البلدي إبراهيم زيدان خلال الاجتماع المشار إليه قد أُخرج من سياقه. فالكلام الذي قيل على شكل تساؤل أو تعبير عن انسداد الحلول في مواجهة أزمة النزوح، جرى تقديمه في بعض التغطيات الإعلامية وكأنه طرح فعلي لإرسال النازحين عبر البحر. هذا التحوير – وفق ما يؤكد متابعون – غيّر المعنى بالكامل، وحوّل عبارة قيلت في إطار توصيف ضيق الخيارات إلى موقف سياسي حاد يُوحي بالدعوة إلى ترحيل النازحين.
وهنا يطرح سؤال أساسي: إذا كان الكلام قد قيل بالفعل في إطار التساؤل أو التعبير عن الضيق من غياب الحلول، فهل من الحكمة تحويله إلى مادة إعلامية قابلة لإشعال التوترات الداخلية، أم أن المسؤولية الإعلامية تقتضي التعامل معه بحذر في ظل الظروف الدقيقة التي تمر بها البلاد؟
فالمرحلة الراهنة في لبنان تتسم بحساسية استثنائية، ليس فقط بسبب المواجهة العسكرية القائمة، بل أيضاً نتيجة التوترات الاجتماعية التي قد تنتج عن الضغوط الاقتصادية والنزوح الواسع. وفي مثل هذه الظروف، يصبح لأي خطاب إعلامي أو سياسي أثر مضاعف، سواء في تهدئة الأجواء أو في تأجيجها.
وفي موازاة هذا الجدل، برز اسم النائب البيروتي فؤاد مخزومي في سياق الاتهامات التي وردت في المقال المذكور. غير أن مقربين من مخزومي يؤكدون أن الصورة التي جرى تقديمها في بعض وسائل الإعلام لا تعكس مسار عمله الفعلي في بيروت، خصوصاً في ما يتعلق بملف المساعدات الاجتماعية والإنسانية.
فمخزومي، الذي أسّس عام 2000 مؤسسة اجتماعية تحمل اسمه، عمل منذ ذلك الوقت على إطلاق برامج دعم متعدّدة لأبناء العاصمة. وتشمل هذه البرامج خدمات صحية وتعليمية، إضافة إلى تقديم قروض صغيرة لدعم المشاريع الفردية ومساعدة العائلات على تحسين ظروفها الاقتصادية. وقد تحوّلت هذه المؤسسة مع مرور الوقت إلى إحدى الجهات الاجتماعية النشطة في بيروت، حيث يستفيد من خدماتها عدد كبير من السكان، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية أو الدينية.
وخلال الحرب الحالية، يؤكد متابعون أن مخزومي أعطى توجيهات واضحة لمؤسساته للعمل على دعم النازحين الذين وصلوا إلى بيروت، من دون أي تمييز بين طوائفهم أو انتماءاتهم. وقد شمل هذا الدعم تقديم المساعدات الغذائية والطبية، إلى جانب المساهمة في تجهيز بعض المراكز التي استُخدمت لإيواء النازحين.
ومن أبرز الخطوات التي جرى الحديث عنها في هذا السياق، العمل على تجهيز منشآت في المدينة الرياضية في بيروت بما يلزم من خيم ومستلزمات معيشية وكهرباء ومياه، بهدف توفير ظروف إنسانية مقبولة للنازحين الذين اضطروا إلى مغادرة مناطقهم بسبب الحرب. وقد شملت هذه التجهيزات أيضاً تأمين الطعام والمياه ووسائل الحياة الأساسية، في محاولة للتخفيف من معاناة العائلات التي وجدت نفسها فجأة خارج منازلها.
ويشير متابعون إلى أن هذه الجهود جرت في وقت كانت فيه المؤسسات الرسمية تواجه ضغوطاً كبيرة نتيجة حجم الأزمة، ما جعل دور المبادرات الفردية والمؤسسات الأهلية أكثر أهمية في سد بعض الثغرات.
لكن رغم هذه الجهود، يتعرض مخزومي منذ أشهر ووفق مقربين منه لحملة إعلامية وسياسية مستمرة. ويذهب هؤلاء إلى القول إن هذه الحملة ليست منفصلة عن المعادلة السياسية المرتبطة بالمرحلة المقبلة في لبنان، ولا سيما في حال إجراء انتخابات نيابية جديدة وما قد ينتج عنها من تغييرات حكومية.
فمخزومي يُطرح في بعض الأوساط السياسية كأحد الأسماء البارزة التي قد تلعب دوراً أساسياً في المرحلة المقبلة، سواء داخل الحكومة أو حتى في موقع رئاسة الوزراء. وهذا الطرح، بطبيعة الحال، يضعه في قلب التنافس السياسي، ويجعله هدفاً لانتقادات أو حملات إعلامية من أطراف ترى في صعوده السياسي تهديداً لمواقعها أو لنفوذها.
ومن هنا، يرى مؤيدوه أن ما يجري هو نوع من “الاستهداف الاحترازي”، أي محاولة خلق رأي عام سلبي تجاهه قبل أي استحقاق سياسي محتمل. ويعتبر هؤلاء أن بعض وسائل الإعلام القريبة من محور سياسي معين تسعى إلى تشويه صورته مبكراً، بهدف إضعاف فرصه في لعب دور أكبر في المستقبل السياسي للبنان.
في المقابل، يشير مراقبون إلى أن مثل هذه الحملات غالباً ما ترتد عكسياً في بعض الأحيان، خصوصاً إذا شعر الجمهور بأنها تتجاوز النقد السياسي إلى محاولة تشويه متعمدة. فالتجربة اللبنانية أظهرت مراراً أن الرأي العام قد يتعاطف مع الشخصيات التي تتعرض لهجمات إعلامية مكثفة إذا اعتبر أن تلك الهجمات غير عادلة.
وفي هذا الإطار، تشير بعض استطلاعات الرأي التي أُجريت في بيروت خلال الفترة الأخيرة إلى أن قاعدة مخزومي الشعبية كانت متقدمة اكثر من أي وقت مضى، بل إن جزءاً من الشارع البيروتي أصبح أكثر التصاقاً به، وفق ما يقوله مقربون منه، والدليل كان عدم موافقة مخزومي على التمديد للمجلس النيابي لفترة سنتين، لأنه يعلم جيداً انه سيحصل على كتلة وازنة في المجلس لو حصلت الانتخابات. ويعزون ذلك إلى عاملين أساسيين: الأول هو استمرار نشاطه الاجتماعي والخدماتي في المدينة، والثاني هو شعور بعض الناخبين بأن الحملة ضده تحمل أبعاداً سياسية تتجاوز مجرد النقد الإعلامي، وثالثاً الأداء السياسي الثابت والواضح لمخزومي بعيدا عن التلون والمصالح الضيقة.
ومهما يكن من أمر، فإن الجدل الذي أثير في الأيام الأخيرة يعكس واقع الحياة السياسية والإعلامية في لبنان، حيث تتداخل الحسابات السياسية مع التغطيات الإعلامية في كثير من الأحيان. كما يكشف في الوقت نفسه حجم التوتر الذي يرافق أي نقاش مرتبط بملف النزوح، نظراً لحساسيته الاجتماعية والسياسية.
وفي ظل استمرار الحرب والضغوط التي تواجهها العاصمة بيروت، يبقى التحدي الأكبر أمام مختلف القوى السياسية والبلدية هو كيفية إدارة هذه الأزمة بما يحفظ الاستقرار الاجتماعي ويؤمّن الحد الأدنى من الدعم للنازحين، بعيداً عن السجالات التي قد تزيد الانقسام الداخلي.
ففي نهاية المطاف، تبقى بيروت مدينة لكل أبنائها، كما تبقى الأزمات الوطنية الكبرى اختباراً حقيقياً لمدى قدرة القوى السياسية والإعلامية على تقديم المصلحة العامة على حساب الحسابات الضيقة. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح الخطاب المسؤول والعمل الميداني الفعلي أكثر أهمية من أي سجال سياسي أو إعلامي، لأن ما يحتاجه اللبنانيون اليوم هو حلول عملية تخفف من أعبائهم، لا مزيداً من الانقسامات.
The post حملة على مخزومي بين الوقائع والتحوير الإعلامي appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.







