بين البلوك 8 وبلوكات الوسط "الآمنة": لماذا بقيت دورة التراخيص الثالثة مُجمّدة عملياً؟

التاريخ: 13 أيار 2026
بين البلوك 8 وبلوكات الوسط "الآمنة": لماذا بقيت دورة التراخيص الثالثة مُجمّدة عملياً؟

اخبار الجلسة متوفرة الآن مجاناً عبر خدمة واتساب... اضغط هنا

اضغط هنا

رغم إعلان لبنان فتح دورة التراخيص الثالثة للنفط والغاز منذ أكثر من سنتين، لا يبدو القطاع اليوم أمام اندفاعة إستثمارية فعلية مطلوبة، بقدر ما يقف في مرحلة إنتظار طويلة ومفتوحة على الشكوك.

فباستثناء التقدّم الحاصل نوعاً ما في البلوك 8 الحدودي، لا تزال معظم البلوكات البحرية الوسطية، أي 3، 4، 5، 6، و7 الواقعة قبالة جبيل والبترون وشمال بيروت، خارج أي نشاط إستكشافي جدّي، على الرغم من بُعدها النسبي عن التوتّرات العسكرية في الجنوب والبقاع.

والمفارقة أنّ هذا الجمود جاء بعد إقفال وزارة الطاقة والمياه دورتي التراخيص الثانية والثالثة رسمياً (2023-2025)، وتمديد المهل أكثر من مرة بفعل الحرب والظروف السياسية وتعليق المهل القانونية، وصولاً إلى تحديد آذار من العام الفائت كآخر موعد رسمي مُعلن.

لكن ما أعطى الانطباع بأنّ الدورة الثالثة بقيت “مفتوحة شكلياً” أكثر منها نشطة، على ما تؤكّد مصادر نفطية خبيرة، هو أنّ السوق النفطية لم تتفاعل معها كما كانت تتوقّع الدولة، رغم تلزيم كونسورتيوم الشركات (“توتال إنرجيز”، “إيني”، و”قطر إنرجي”)، نفسه أعمال الاستكشاف في البلوك 8، وبدء التحضير للمسح الزلزالي الثلاثي الأبعاد، لتقييم الإمكانات الجيولوجية قبل اتخاذ أي قرار بالحفر.

غير أنّ التحوّل الأساسي، وفق المصادر العليمة، حصل بعد نتائج البلوك 9. فبئر “قانا” التي حُفرت جنوباً لم تؤدِّ إلى اكتشاف تجاري قابل للتطوير، ما دفع الشركات لاحقاً إلى إعادة البلوك إلى الدولة اللبنانية. وتواجه الشركات مشكلة أساسية تتعلّق بغياب “المرتكز الجيولوجي المؤكّد”. فحتى البلوكات الوسطية، لم تُظهر بعد مؤشرات تجارية حاسمة تسمح للشركات بالمغامرة بحفر آبار إضافية. وغالباً ما تنتظر الشركات نجاح أول إكتشاف تجاري في بلد ما قبل توسيع استثماراتها إلى بقية البلوكات. وهذا ما لم يحصل بعد في لبنان.

وهذه النتيجة انعكست على كامل النظرة الاستثمارية إلى المياه اللبنانية. ومنذ تلك اللحظة، بدأت الشركات تتعامل مع لبنان، على ما تلفت المصادر، باعتباره “منطقة إستكشاف عالية المخاطر”، لا “مشروع إنتاج واعداً”. الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على البلوكات الأخرى، حتى تلك الواقعة في مناطق أكثر إستقراراً، والبعيدة عن العمليات العسكرية. ولا تنظر الشركات فقط إلى العامل الأمني، رغم أهميته، بل أيضاً إلى الجدوى الإقتصادية والجيولوجية والسياسية معاً.

لذلك، لم تتحوّل البلوكات الوسطية إلى “بديل آمن” يجذبها تلقائياً. وتواجه هذه البلوكات، على ما تكشف المصادر الخبيرة، مجموعة عوائق متداخلة، تعيق تقدّم الشركات للاستثمار فيها:

⁃ أوّلها: غياب أي اكتشاف تجاري مؤكّد حتى الآن في المياه اللبنانية لا سيما في البلوكين 4 و9. ما أثّر سلباً على قرار الشركات المتردّدة في ضخّ إستثمارات ضخمة في عمليات حفر جديدة باهظة الكلفة.

⁃ ثانيها: الأزمة المالية اللبنانية، التي تثير قلق المستثمرين بشأن الإستقرار القانوني والضريبي وقدرة الدولة على إدارة مشاريع طويلة الأمد.

⁃ ثالثها: يتعلّق بأزمة الحوكمة داخل القطاع النفطي نفسه. فـ “هيئة إدارة قطاع البترول”، وهي الجهة المسؤولة عن إعداد دفاتر الشروط والتفاوض مع الشركات وتطوير النظام التنظيمي للقطاع، واجهت خلال السنوات الأخيرة فراغاً جزئياً وتأخّراً، لا يزال مستمرّاً حتى اللحظة، في إعادة تشكيلها بكامل فعاليتها. وهذا الأمر لم يبقَ تفصيلاً إدارياً.

فبعد نتائج البلوك 9 غير المشجّعة، كان لبنان يحتاج عملياً إلى إعادة صياغة شروط دورة التراخيص الثالثة لتصبح أكثر جاذبية. لكن غياب هيئة مكتملة الصلاحيات أبطأ هذا المسار. ومن بين العوائق أيضاً، أنّ لبنان يفتقر حتى الآن إلى بنية تحتية نفطية متكاملة، سواء لناحية منشآت الغاز أو مرافئ الطاقة أو شبكات النقل، ما يرفع الكلفة التشغيلية لأي مشروع مستقبلي مقارنة بدول متوسطية أخرى مثل مصر وقبرص.

لهذا تبدو دورة التراخيص الثالثة، أقرب إلى إطار قانوني معلّق بانتظار ظروف أفضل. فالحكومة لا تزال تحاول جذب الشركات إلى البلوكات البحرية، فيما تنتظر هذه الأخيرة بدورها مؤشرات أوضح.

ويبقى البلوك 8 حتى الآن، الاختبار الفعلي الوحيد. أما بقية البلوكات المعروضة، بما فيها تلك الواقعة في “المناطق الآمنة”، فلا تزال عالقة بين الرغبة اللبنانية في إطلاق القطاع، والحذر الدولي من الإستثمار في مشروع لم يثبت بعد جدواه التجارية.

الديار – دوللي بشعلاني

The post بين البلوك 8 وبلوكات الوسط "الآمنة": لماذا بقيت دورة التراخيص الثالثة مُجمّدة عملياً؟ appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.

المصدر: Lebanon Files

شارك الخبر عبر منصات التواصل الإجتماعي

تم الاشتراك بنجاح!

إبق على علم بآخر الأخبار عبر الاشتراك بصحيفتنا الإخبارية