الوهم القاتل في الواقع الزائل

التاريخ: 17 أيار 2026
الوهم القاتل في الواقع الزائل

اخبار الجلسة متوفرة الآن مجاناً عبر خدمة واتساب... اضغط هنا

اضغط هنا

الوهم قاتل. أصعب ما فيه أنه يقتل صاحبه. خبر اللبنانيون كما غيرهم خصوصاً في المشرق العربي صناعة الوهم، والغرق فيه إلى حد الاختناق. أما الأخطر فهو امتزاج الوهم بتتبّع الأماني، أو إسقاط الأمنيات لتحلّ مكان الوقائع. والموجع أكثر هو انتفاء الأمل ليحلّ الوهم مكانه، وهذه حكاية لبنان مع الحرب الحالية والمستمرة منذ العام 2023. لهذا الوهم عناوين كثيرة لا بد من تعدادها: “وقف إطلاق النار، تثبيته وجعله كاملاً، انسحاب إسرائيل، عودة الأهالي، دعم الجيش اللبناني وتمكينه لتوسيع انتشاره في الجنوب، التفهم للموقف اللبناني ومقاربة الدولة اللبنانية”. كل هذه العبارات يغرق فيها اللبنانيون منذ سنوات طويلة وليس فقط ما بعد اتفاق 27 تشرين الثاني من العام 2024، على الرغم من أنها تتجدد اليوم.

ومع الأسف والاعتذار المسبق، لا بد من أن يكون الكلام قاسياً، كي يتماشى مع الواقع، ربما سيزعج الكثيرين، ولكنه أكثر من ضروري في سياق التحفيز على البحث عما يمكن أن ينقذ بدلاً من أن يغرقنا بمزيد من الوهم. منذ السابع والعشرين من تشرين الثاني، ولبنان يحاول التعامي عن الوقائع التي تغيرت في المنطقة، والالتفاف على الشروط القاسية المفروضة عليه. وبدلاً من مواجهة هذه الشروط والفروض بحقائقها، يسعى البعض إلى جعل الأمل إلهاً من تمر، ما تلبث أن تأكله الوقائع. باختصار وبشكل مباشر، لا وجود لأي تفهم أميركي للموقف اللبناني، ولا لأي مقاربة لبنانية يعتبرها الأميركيون غير متطابقة مع رؤيتهم ووجهة نظرهم وخطتهم التي تتركز على ضرورة “سحب سلاح حزب الله بالكامل، وتفكيك بنيته العسكرية والمالية وحتى السياسية”، وللعلم أن الأميركيين يمنعون الكثير من القوى السياسية من التواصل مع حزب الله حتى”.

لا تقف الخطة عند هذا الحدّ، بل أيضاً تفرض على الجيش اللبناني التحرك لنزع سلاح حزب الله بالكامل، ولو كانت النتيجة حصول صدام داخلي، أو حرب أهلية، ولو شكل الأمر تهديداً لوحدة الجيش، فالكلام الذي يُقال في الكواليس والرسائل التي تنقل، تبدو أقسى من ذلك بكثير وتصل إلى حدّ المطالبة بـِ “تنظيف” الأجهزة الأمنية من المحسوبين على حزب الله، وتحت هذا العنوان جاء التفكير بتشكيل وحدات خاصة من الجيش لا تضم موالين للحزب بهدف العمل على سحب سلاحه وتفكيك بنيانه. وهذه الخطّة لم تتغير، وعلى الرغم من أنَّ الأميركيين والإسرائيليين يرفعون منذ سنوات طويلة، وتحديداً منذ ما قبل التحرير في العام 2000، إلى حرب تموز 2006، إلى كل السنوات التي تلت، لكنها لم تتحقق. أما ما بعد طوفان الأقصى، ومشروع الحرب الكبرى على المنطقة، يعتبر الأميركيون والإسرائيليون أن كل الظروف تغيرت وهم يصرون الآن على تحقيق ما أرادوه دوماً ولو بممارسة القوة القصوى. كما أن العناوين المطروحة، والشروط المفروضة، هي نفسها التي كانت موضوعة منذ اتفاق تشرين 2024، لكن لبنان هو الذي حاول البحث على طريقته عن تفادي “الإيفاء بالالتزامات” علماً أن الشروط كانت واضحة وتربط أي انسحاب إسرائيلي والسماح لأهل الجنوب بالعودة وإعادة الإعمار وتقديم المساعدات بتفكيك حزب الله وإنجاز إصلاحات جدية، الإصلاحات بمعناها الأدق هي إغلاق أي باب لتمويل الحزب من خلال الدولة أو مؤسساتها أو الدورة الاقتصادية اللبنانية. وبعدها توالت الزيارات الأميركية إلى لبنان، من مورغان أورتاغوس، إلى توم باراك، وصولاً إلى السفير ميشال عيسى.

مع كل موفد جديد، كان لبنان يضج بأخبار متناقضة، ولكن كلها تميل نحو الإيجابية لناحية التفهم الأميركي للمواقف اللبنانية والخصوصيات، وعندما كان يبرز أحد المسؤولين الأميركيين موقفاً متشدداً أو أكثر وضوحاً، كانت التفسيرات اللبنانية التي تضفي المزيد من الوهم تعتبر أنَّ “المبعوث ينطلق من حساباته الشخصية ويريد تسجيل مكسب شخصي في سجله”. وهو أيضاً ما يتكرر اليوم مع ميشال عيسى الذي يصر على عقد لقاء بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وعلى الرغم من أنَّ ترامب نفسه أعلن عن ذلك وعبر عن حماسته، لا يزال بعض اللبنانيين يعتبرون أن هذا هو هدف شخصي لميشال عيسى.

مع كل المبعوثين تكررت الشروط نفسها، لكن لبنان لا يزال في مكان بعيد. فلا لبنان الرسمي قارب الملف بجدية ولا يقدم رؤية واضحة لذلك، وحاول على مدى أشهر التواري والمواربة، على الرغم من كل القرارات التي اتخذت، من دون القدرة على تطبيقها. أما حزب الله فكان أيضاً يراهن على الوقت ولا يزال، ويعتبر أنه قادر على تكرار تجربة العام 2006، أو ما قبل التحرير في العام 2000، وهو الآن يراهن على ما ستؤول إليه المفاوضات الإيرانية الأميركية. بينما الهدف الإسرائيلي واضح ويتم الإعلان عنه، والاحتلال قائم في جنوب الليطاني، مع عدم استعداد إسرائيل للانسحاب ولا للتراجع ولا لوقف العمليات.

ومناسبة الكلام عن الوهم ومخاطره، هو ما يتجدد من محاولات لدفع إسرائيل إلى وقف النار، أو ما يتسرب عن تحقيق تقدم في مسار تثبيت وقف النار والتزام نتنياهو به، وما أضيف على التسريبات كلام عن استعداد إسرائيل للانسحاب من لبنان وتسليم الجيش اللبناني السيطرة على الجنوب ودعمه لذلك وبسط السيطرة الكاملة على كل الأراضي اللبنانية. بينما المطلوب مختلف كلياً، ويرتبط بما تريده إسرائيل وأميركا وهو سحب سلاح الحزب وتفكيكه بالكامل، وأن يعاد تركيب وهيكلة الجيش كما غيره من الأجهزة الأمنية.

عملياً، يجدر البقاء عند الخط البياني للمشروع الإسرائيلي واستراتيجيته، بدلاً من الغرق في أي تفاصيل يومية مثل الرسائل المتبادلة أو انتظار الأجوبة وما إلى هنالك من لزوم تعبئة فراغ في هذا المدى المفتوح على حرب لا يعلم أحد كيف ستنتهي ومتى وما النتائج التي ستفرزها. ما تريده إسرائيل وأميركا هو الوصول إلى تفاهم مع لبنان حول كيفية إنتاج التوازنات في الداخل اللبناني، وكيف يفترض للجيش أن يعمل ويتحرك، ولهذه الغاية يدعو الأميركيون إلى رعاية اجتماع تنسيق عسكري وأمني بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي، والهدف هو وضع خطة متدرجة لسحب سلاح حزب الله، وهي ستكون مرتبطة بما يُحكى عن مساعدات سيتم تقديمها للجيش لتمكينه وتقويته.

كل ما يُحكى أو يتم تسريبه يُسهم في زيادة الوهم، ما لم يتم الوصول إلى إطار عملي واضح ومتفاهم عليه بين اللبنانيين يهدف إلى الخروج من هذه الحالة، ومن كل آلية التفكير القديمة والانتقال إلى مرحلة جديدة بكل جدية، وهو ما يُفترض أن يتفق عليه اللبنانيون بكل مكوناتهم بما يوفر حصانة كاملة للدولة وموقفها ولحماية المجتمع، وهذا وحده يمكنه أن يكون كفيلاً في السعي لوقف مشروع قضم الجنوب وتدميره، وقطع الطريق على الدخول في صراع داخلي، وهو ما يمنح لبنان فرصة البحث عن مظلة خارجية قد تبدأ في إسلام اباد ولكن لا تقتصر عليها، بل تشمل مسار عربي وإقليمي ودولي لوقف الحرب وحماية الجغرافيا والديمغرافيا. المسؤولية مشتركة على حزب الله كما على الدولة اللبنانية.

منير الربيع – المدن

The post الوهم القاتل في الواقع الزائل appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.

المصدر: Lebanon Files

شارك الخبر عبر منصات التواصل الإجتماعي

تم الاشتراك بنجاح!

إبق على علم بآخر الأخبار عبر الاشتراك بصحيفتنا الإخبارية