في نهاية الثمانينات طرحت معادلة “مخايل الضاهر أو الفوضى”. واختار المسيحيون حينها الفوضى وأتت نتائجها كارثية عليهم: حرب الغاء دامية بين الاخوة واجتياح سوري لآخر المعاقل الحرة في لبنان في ١٣ ت١ ١٩٩٠ ونفي وسجن لزعمائهم وانحسار مسيحي هائل في النظام السياسي خلال فترة الوصاية السورية على لبنان. رفض “مخايل الضاهر” كانت اسبابه هوس السلطة والرئاسة لدى الموارنة التي اعمت بصيرتهم ومنعتهم من تقدير حقيقة المرحلة والظرف والتداعيات المترتبة على خياراتهم.
تغيَرت الايام والظروف لكن الذهنية المتحكمة بالاحزاب المسيحية وهوس السلطة بقيت نفسها واذا بحسابات سلطوية صغيرة تعمي بصيرتها وتمنعها من استيعاب خطورة المرحلة التي تمرَ بها المنطقة ولبنان والتداعيات الكبيرة المتوقَعة في سياق الحرب الجارية في المنطقة ومن ضمنها لبنان. فاليوم، وفي خضم كل ما يجري، تزاحمت الاحزاب المسيحية على المزايدات السياسية والإعلامية التي رافقت انعقاد الجلسة التشريعية التي اقرت التمديد لمجلس النواب، لم تعد المسألة مجرد مهلة زمنية، بل نقاش فعلي حول الخيارين اللذين يبدوان الأكثر واقعية في المرحلة المقبلة: التمديد لسنتين أو الذهاب إلى الفراغ الخطير.
ما لم يلتقطه رؤساء الاحزاب المسيحية، المتلُهون بقشور معاركهم السياسية الثانوية نسبة لتحولات المنطقة، ان اصرار رئيس مجلس النواب على التمديد سنتين كشرط لعقد الجلسة النيابية للتمديد ليس مجرد مطلب نابع من تمسكه بموقعه على رأس المجلس النيابي الذي لن يكون مهدداً اطلاقاً فيما لو جرت الانتخابات في ايار، انما هو مرتبط بما ينتظر الشيعة من تداعيات ما بعد الحرب المستفحلة في المنطقة ولبنان.
وبينما يحاول بري قدر الامكان الموازنة بين المحافظة على الاستقرار الداخلي وعدم قطع شعرة معاوية مع حزب الله رغم تباعدهم الكبير في الملفات الاقليمية، اذا بقنبلة دخول حزب الله في الحرب وطغيان منطق “تهبيط الهيكل على رأس الجميع” دون أي رادع وحساب، على قاعدة إما النصر وإما الموت، ما فاقم هواجس بري بشكل كبير وجعله يتمسك بشكل قاطع بمرحلة السنتين للتمديد التي يحتاجها لاعادة صياغة معادلة داخلية جديدة للمكوَن الشيعي.
فحزب الله الذي يخوض معركة الوجود الاخيرة ويتحمَل كل الهجومات والحملات الداخلية عليه، ينتظر نهاية المعركة العسكرية للتفرَغ للملف الداخلي وهو أبلغ بري انه بقدر ما كان متحمَساً للانتخابات النيابية في موعدها قبل الحرب، بقدر ما هو لن يقبل ان تجري بعد اشهر قليلة من الآن وقد اندلعت الحرب وهجَر الناس ودمَرت القرى مما يحاول البعض استغلاله في المعركة الانتخابية ضده.
وبنفس المنطق الذي يتبعه حزب الله في معركته العسكرية، منطق “ليس لدي ما أخسره أكثر”، ابلغت قيادة الحزب بري انه يفضَل الذهاب الى الفراغ وبعده الدفع باتجاه مؤتمر تأسيسي يأتي في سياق المعركة الوجودية الكبيرة التي تجري اليوم والتي يتأمل حزب الله بالفوز بها مع ايران او على الاقل بحصد اثمان منها فيما لو انتهت الحرب بتسوية اقليمية جديدة لا تطيح بالنظام في ايران.
عند هذا الحدَ، تقاطع الرئيس بري مع الارادة الدولية الدافعة باتجاه التمديد للمحافظة على الحكومة الحالية الى حين إنجاز أجندة حصرية السلاح والاصلاح المالي، وفرض تسوية تقوم على أساس السنتين يقطع الطريق فيها على مغامرة الفراغ من جهة، وعلى استعجال البعض للانقضاض على المكوَن الشيعي من جهة اخرى.
فهل يدرك المسيحيون خطورة التلهي بالمزايدات وترك الأمور للفراغ مع ما يعني ذلك من انعكاسات سلبية عليهم أولا؟
The post المعادلة الفعلية: التمديد سنتين أو الفراغ وتأسيس لبنان جديد appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.








