كما سائر الخيارات التي على لبنان اتخاذها في القضايا الوطنية الكبرى، ينطلق النقاش حول المسار الذي ينبغي على لبنان اتخاذه لتحقيق العدالة الدولية. فقد كشف نائب رئيس مجلس الوزراء طارق متري أنه طرح قبول لبنان لاختصاص المحكمة الجنائية لمقاضاة مسؤولين إسرائليين، ولكن لم تكن هناك أكثرية مؤيدة داخل الحكومة.
وفي المقابل، برزت محاولة مغايرة قادها رئيس المجلس النيابي نبيه بري، الذي أعاد تسليط الضوء على ضرورة تشكيل لجنة تقصي حقائق دولية. أمام هذا المشهد الإجرائي المعقد، تئنّ القرى والبلدات في جنوب لبنان تحت وطأة تصعيد عسكري يومي مرير، يتجاوز في قسوته استهداف المواقع العسكرية ليمتد إلى تدمير شامل لبيوت الناس وأرزاقهم ومزارعهم، فضلاً عن استهداف الطواقم الطبية والإعلامية. هذا التخبط الرسمي يدفعنا إلى قراءة متأنية للأدوات القضائية المتاحة، وتحديد المسارات القانونية القابلة للتطبيق مع رصد عوائقها السياسية والإجرائية.
إن تشكيل لجان التقصي الذي طالب به رئيس المجلس النيابي لجمع الجرائم يستند في مرجعيته عادةً إلى آليات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. وتكمن الأهمية القصوى لهذه اللجان في تكوين “ذاكرة قانونية وإنسانية موثقة”. فهي تجمع الأدلة الميدانية، وتستمع إلى شهادات الضحايا، وتوثّق طبيعة الأسلحة الفتاكة المستخدمة (مثل الفوسفور الأبيض) وفق معايير مهنية صارمة. هذه الآلية ليست مجرد إجراء إداري عابر، بل خطوة سياسية تهدف إلى جمع كافة الجرائم والانتهاكات الإسرائيلية وتوثيقها بشكل موحد، لربط هذه الملفات في مسار قانوني متكامل يهدف إلى “أنسنة الأرقام” وحمايتها من النسيان. ومع ذلك، وبالرغم من ثقلها المعنوي والإنساني، تظل أعمال هذه اللجان بلا أدوات تنفيذية أو قدرة على إصدار مذكرات توقيف، إذ تعتمد نتائجها بالكامل على مسارات وإرادات سياسية لاحقة لتحويل التقارير إلى إجراءات ملموسة على أرض الواقع، وهذا ما يجعلها خطوة أولى تحتاج إلى قضاء دولي فاعل يتبناها كي لا تبقى ذاكرة إنسانية بلا مخالب تنفيذية.
ولفهم الخيارات القضائية المتاحة لإنصاف الإنسان في لبنان، يجب التمييز بدقة بين مؤسستين دوليتين تلعب كل منهما دوراً في إحقاق العدالة. المؤسسة الأولى هي محكمة العدل الدولية (ICJ)، التي تختص بالنزاعات القانونية بين “الدول” بتهمة خرق المعاهدات الدولية. وبما أن لبنان عضو في الأمم المتحدة منذ العام 1945، فهو عضو طبيعي في نظامها الأساسي. غير أن معضلة التطبيق هنا تكمن في أن المقاضاة تشترط “الرضا المتبادل” أو القبول الثنائي للاختصاص القضائي من قبل الدولتين المتنازعتين. وبما أن إسرائيل لن تقبل بهذه الولاية الإلزامية للمحكمة، فإن سلوك هذا الدرب في وجه اسرائيل يبدو مساراً وعراً وشبه مغلق واقعياً.
أما المؤسسة الثانية فهي المحكمة الجنائية الدولية (ICC). وتعتبر هذه المحكمة المكان الأنسب لمحاسبة الأفراد (من قادة سياسيين وعسكريين) المسؤولين عن الجرائم المروعة كجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. ولكن، وعلى خلاف محكمة العدل الدولية، لا يُعدّ لبنان طرفاً في هذه المحكمة التي أُنشئت بموجب نظام روما الأساسي في العام 1998، إذ إن الانضمام يتطلب توقيع الاتفاقية والتصديق عليها من قبل البرلمان، وهو ما لم يحصل حتى الآن، تماماً كما أن إسرائيل ليست دولة طرفاً فيها. وبالرغم من هذا العائق، فإن القانون الدولي يفتح ثلاثة مسارات استثنائية يمكن للبنان من خلالها تفعيل اختصاص المحكمة وحماية شعبه.
يتمثل المسار الاستثنائي الأول في تقديم لبنان إعلاناً خاصاً يقبل فيه اختصاص المحكمة بصورة مؤقتة وفقاً للمادة 12 الفقرة 3 من نظامها الأساسي، للتحقيق في الجرائم التي ارتكبت على أراضيه خلال فترة زمنية محددة. وتتميز هذه الآلية بأنها لا تتطلب تصديقاً برلمانياً كاملاً، بل تصدر بقرار مباشر من السلطة التنفيذية (مجلس الوزراء)، وهو تماماً ما فعلته أوكرانيا في العام 2014 للتحقيق في أحداث شبه جزيرة القرم قبل انضمامها الرسمي، واستخدمته السلطة الفلسطينية سابقاً لتوثيق العمليات العسكرية في غزة.
أما المسار الثاني فيمرّ عبر مجلس الأمن الدولي، الذي يملك صلاحية إصدار قرار ملزم بموجب الفصل السابع يحيل فيه الوضع إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، حتى إن كانت الدول المعنية غير موقّعة على نظام روما. ولعلّ أبرز برهان تاريخي على أن عدم التوقيع لا يعني حصانة مطلقة لمجرمي الحرب، هو ما حدث في الحالة الليبية في العام 2011، حين أصدر مجلس الأمن القرار رقم 1970 بالإجماع وأحال الانتهاكات هناك إلى المحكمة الجنائية. لكن بالإسقاط على لبنان، يظل هذا المسار محكوماً بالتوازنات الدولية. فبينما أُقرت الإحالة في ليبيا بتوافق القوى الكبرى، قد تصطدم أي محاولة مشابهة تجاه الانتهاكات الإسرائيلية بحائط “الفيتو” الأميركي الحمائي لإسرائيل، فضلاً عن غياب رغبة داخلية حاسمة بتفعيل هذا المسار نتيجة الانقسام الحكومي .
تُعتبر الحالة الفلسطينية النموذج القانوني والإنساني الأكثر تقاطعاً مع الحالة اللبنانية، حيث تمّ تقديم إعلان الى المحكمة الجنائية بموجب المادة 12(3) ، ثم جرى الانضمام رسمياً لنظام روما في العام 2015. وفي العام 2021، أقرت الدائرة التمهيدية في المحكمة أن اختصاصها الإقليمي يشمل قطاع غزة والضفة الغربية، معتبرةً أن عدم عضوية إسرائيل لا تحمي مسؤوليها ما دامت الجرائم ارتُكبت على أرض دولة قبلت اختصاص المحكمة.
وقد تجسدت العدالة بشكل عملي في أيار 2024، عندما أعلن المدعي العام للمحكمة كريم خان تقديم طلبات لإصدار مذكرات توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين (بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت)، إلا أنها في الوقت نفسه أصدرت مذكرات بحق قادة من حركة حماس (يحيى السنوار، ومحمد الضيف، وإسماعيل هنية)، بناءً على اتهامات تشمل القتل العمد واستهداف المدنيين. هذه السابقة هي تحديداً ما يفسر مخاوف حزب الله والأكثرية الحكومية في لبنان من اللجوء الى هذه المحكمة. فالجنائية الدولية لا تعتمد منطق “الانتقائية” أو نصرة طرف ضد طرف، بل تحقق في الوضع ككل وتفحص أفعال جميع القوى المسلحة الداخلة في النزاع على تلك الأرض.
ويُضاف إلى ذلك “مبدأ التكاملية” (Complementarity) والسيادة القضائية، حيث إن المحكمة الدولية لا تتدخل كملجأ أخير إلا إذا كان القضاء الوطني المحلي “غير قادر” أو “غير راغب” في إجراء تحقيقات جدية، وهو ما يُفسر داخلياً كمساس بالسيادة القضائية للدولة أو إعلان عجز قضائها المحلي.
وقد تجسدت هذه الهواجس في لبنان بوضوح في واقعة 26 نيسان 2024، حيث اتخذ مجلس الوزراء قراراً مبدئياً بالإجماع بتكليف وزارة الخارجية تقديم إعلان بموجب المادة 12(3) لقَبول اختصاص المحكمة، مدفوعاً بتقرير فني لمعهد (TNO) الهولندي الذي وثق بالدليل استشهاد المصور الصحفي عصام عبد الله بقذيفة إسرائيلية. لكن، وتحت وطأة الاعتراضات السياسية الداخلية الحادة والخوف من خضوع العمليات العسكرية للتقييم الجنائي الدولي، تراجعت الأكثرية الحكومية وتم تجميد القرار وإيقاف إرساله رسمياً في 28 نيسان من العام نفسه.
إن استمرار حالة التردد ومراوغة الملفات القضائية اللبنانية المحقة في أروقة الحسابات السياسية الداخلية الضيقة لم يعد خياراً عادلاً أو كافياً لإنصاف دماء الشهداء وحقوق الجرحى والمهجرين في جنوب لبنان. تفرض المسؤولية الأخلاقية، والسيادية، والدستورية على الحكومة اللبنانية الخروج من مربع التراجع المؤقت، والتقدم بشجاعة نحو صياغة استراتيجية قانونية موحدة وحاسمة. إن تفعيل خيار إعلان قبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، أو المضي في مسار المحاسبة القضائية الشاملة، يتطلب من السلطة التنفيذية موازنة المخاوف السياسية الداخلية مقابل المكاسب السيادية والإنسانية الكبرى المحققة من ردع الجرائم الدولية وتوثيقها؛ فصون كرامة المواطن وحماية إقليم الدولة يجب أن يعلوا فوق كل اعتبار فئوي ضيق.

أنطوان ع. نصرالله – المدن
The post المسار الصعب… إليكم معوقات لجوء لبنان إلى القضاء الدولي appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.







