العفو كمحاولةٍ للصّلح بين السُّنّة والدّولة العميقة

التاريخ: 13 أيار 2026
العفو كمحاولةٍ للصّلح بين السُّنّة والدّولة العميقة

اخبار الجلسة متوفرة الآن مجاناً عبر خدمة واتساب... اضغط هنا

اضغط هنا

ثمّة إشكال عميق في علاقة السنّة مع “لبنان الكبير”. هم دائماً جزء من الصورة، ابتداءً بصورة مفتي بيروت مصطفى نجا والبطريرك الياس الحويّك، وبينهما الجنرال هنري غورو في قصر الصنوبر. لكنّ دورهم في عمق الدولة ما يزال محلّ مشاعر متباينة، منذ أكثر من مئة عام.

ظلّت “القضية السنيّة” حتى السبعينيّات من القرن الماضي، الشراكة والتوازن. كانوا، منذ الاستقلال على الأقلّ، أهل الدولة بكلّ ما تعنيه الكلمة من تبنٍّ وانحيازٍ، لكن مشكلتهم كانت على الدوام مع ما يرونه تهميشاً وهيمنة للمارونية السياسية على السلطتين الإجرائيّة والتشريعيّة والجيش والإدارة العامّة. إلّا أنّ الوصاية السوريّة والصعود الشيعي أدخلا الهمّ السني في شيءٍ من حيرة الأولويّات. ومع تلك الحيرة، بدا في كثير من الأحيان أنّ الموقف السنّي عصيّ على فهم الشركاء والخصوم في آن معاً.

بدا ذلك الالتباس في موقف الزعامات السنيّة من حركة 6 شباط 1984، حين هيمنت ميليشيات “أمل” و”التقدّمي” على بيروت. كان مزاج السنّة ضد هيمنة الميليشيات على بيروت، لكنهم كانوا قلقين من الميليشيات المسيحية، وكانوا يرون أنفسهم مهمّشين داخل “الدولة العميقة”، ولم يكونوا مؤيدين لاتفاق 17 أيار على أيّ حال.

من يستمع إلى مذكّرات الرئيس أمين الجميّل عن تلك الحقبة يجد فيها الكثير من تلك حيرة السنّة والحيرة منهم. يروي مثلاً كيف أنّ رئيس الحكومة رشيد الصلح، الذي كان على خلافٍ شديد معه، فاجأه في اجتماع مع الرئيس السوري حافظ الأسد بموقفٍ مساندٍ بلا تنسيقٍ مسبق، إذ طلب من الأسد الضغط على حلفائه الذين كانوا يعطّلون حكومة الوحدة الوطنية، في إشارة إلى نبيه بري ووليد جنبلاط.

كان ذلك موقف رجل يريد الدولة ويشتكي منها في آن معاً. ثم بعد استشهاد رشيد كرامي، يحكي الجميّل كيف أن المفتي الشيخ حسن خالد ورئيس الوزراء الراحل تقي الدين الصلح أيدا تكليف سليم الحص برئاسة الحكومة، وكان الثمن أنّ أحدهما قُتِل والآخر نُفي خارج البلاد.

دفعوا الثمن مرتين

منذ ذلك الحين، لدى السنّة شعورٌ بأنهم دفعوا الثمن مرتين؛ ثمن الطغيان الميليشيوي الذي استباح مدنهم وأحياءهم ونسيجهم، بدعم من نظام الأسد، ثم بدعمٍ من إيران، ثم دفعوا ثمن اتهامهم من القوى المسيحية بالانحياز إلى سوريا الأسد، وهو اتهام ظلّ يلازمهم على الرغم مما فعله الأسد بزعاماتهم وقواهم الحيّة من قتل وإبعاد، من صائب سلام إلى المفتي خالد وناظم القادري ومحمد شقير والشيخين صبحي الصالح وأحمد عساف، إلى أن قضى رفيق الحريري نحبه بطنّين من المتفجرات.

من يستمع إلى همس الشارع السنّي يجد شيئاً من تلك المتلازمة التاريخية. هم منتشون بسقوط حكم الأسد الذي اضطهدهم وقهرهم في لبنان، ويجدون فرصة لتمكّن الدولة والتخلص من حكم “الحزب ” الذي هيمن على الدولة والشارع لأكثر من عقدين، وقَهرهم باغتيال الزعيم الأكبر في تاريخهم رفيق الحريري.

لكنّ قلقهم غير خفيّ تجاه الدولة نفسها التي يريدونها قويّة متمكّنة. فلا ريب أنّ قطاعات واسعة من الشارع تشعر، عن حقٍ أو غير حقٍ، أنّ السنّة مهمّشون في المؤسسات العسكرية والأمنية والقضاء العسكري، وحتى في الوزارات والمؤسسات المدنيّة. وفي عمق هذا التهميش أنهم لم يكونوا يوماً جزءاً من المؤسسة العميقة في زمن المارونية السياسية، ولم يصبحوا كذلك في عهد الوصاية السورية، ولا في عهد التفاهم بين ميشال عون و”الحزب”. ذاك التفاهم الذي أنتج ظاهرة أحمد الأسير كحالة اعتراض خارجة على القانون، بوجه ميليشيا خارجة على القانون لكنها متحالفة مع الدولة.

ملف الموقوفين

هذا ما يجعل من ملف الموقوفين الإسلاميين مشكلة. بالإمكان الجزم أنّ السواد الأعظم من الشارع السنّي لا يعرف الكثير عن الموقوفين وانتماءاتهم والتُهم التي أوقفوا فيها، ربما باستثناء مجموعة الأسير. ولا يشارك هؤلاء شيئاً من أفكارهم السياسية وخطابهم وأساليب عملهم. وعلى أيِّ حالٍ، لا ينتمي أيٌ من الموقوفين الإسلاميين إلى حزب أو تيار له تأييد في الشارع، ولو بنسبة 1%.

لكن التأييد للعفو العام يأتي من خلفيّة أخرى، هي الشعور أنّ القانون الذي ينطبق عليهم ليس نفسه القانون الذي ينطبق على سواهم. وتلك هي الوصفة المثالية لتغذية الشعور بالتهميش، ثم تغذية التطرف.

ليس الشارع السنّي في حاجة إلى شهادة براءة من التطرّف. فنتائج الانتخابات النيابية منذ ثلاثين عاماً حتى اليوم تنبئ عن نفسها. ولو أنّ التيارات المتطرفة لها أرضية في الشارع لظهر ذلك في الانتخابات الأخيرة على الأقل، حين كان الفراغ السياسي في أوجه.

ماذا عن الأجهزة الأمنيّة؟

ليس القلق آتياً من فراغ. فقصص التعذيب والتلفيق أكبر وأوضح من أن تُحيّد عن النقاش العام. ولا شك أنها تتجاوز إطار الموقوفين الإسلاميين لتمثّل ممارسة سائدة. ولا أدلّ على ذلك من قصّة تلفيق تهمة العمالة للممثل زياد عيتاني، وهو غير إسلاميّ ولا يشبه الإسلاميين في شيء، والتي انتهت إلى إفلات الضابط المسؤولة عن تلك الواقعة من العقاب، بل وترقيتها.

يمكن مقاربة ملف العفو العام كمسعى للصلح بين السنّة والدولة، أساسه أنّ السنّة من أعماقهم يريدونها قويّة مقتدرة في وجه الميليشيات ومستغلي النفوذ والسلطة، ويقفون معها على جرحهم، كما وقف رشيد الصلح مع أمين الجميّل أمام حافظ الأسد. لكن يريدون أن يطمئنّوا إلى أن الدولة تريدهم من أعماقها.

لا بد للدولة أن تخطو إلى الأمام في ملف العفو العام. تلك صفحةٌ يجب أن تُطوَ، كما طّويت صفحة الميليشيات كلّها في اتفاق الطائف. لم يقف أحد يومها عند من أطلق النار على الجيش ولماذا. يجب أن تُطوَ الصفحة لأنّها تنتمي إلى مرحلة الوصاية الإيرانية- السورية على البلد، ولأنّ مجمل الملفات تنتمي إمّا إلى صراعٍ مع الأسد لم يعد قائماً، وإما إلى صراعٍ مع “الحزب” كان منشؤه ضعف الدولة، ولم يكن منشأ أيٍّ منها حالة مواجهة مع الدولة نفسها، بما في ذلك مجموعة الأسير.

لتطوَ الصفحة تعبيراً عن أنّ الدولة عبرت من زمن الدولة العميقة إلى حكم القانون. وبعدها يتكفّل الشارع السنّي بتنقية ما يجب أن ينقّيه. وقد أثبت أنه أهلٌ لذلك.

اساس ميديا – عبادة اللدن

The post العفو كمحاولةٍ للصّلح بين السُّنّة والدّولة العميقة appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.

المصدر: Lebanon Files

شارك الخبر عبر منصات التواصل الإجتماعي

تم الاشتراك بنجاح!

إبق على علم بآخر الأخبار عبر الاشتراك بصحيفتنا الإخبارية