الصيغة التي عاشها منذ نهاية الحرب تتفكّك: لبنان خارجَ نفسه!

التاريخ: 21 آذار 2026
الصيغة التي عاشها منذ نهاية الحرب تتفكّك: لبنان خارجَ نفسه!

اخبار الجلسة متوفرة الآن مجاناً عبر خدمة واتساب... اضغط هنا

اضغط هنا

تخطت فكرة الحرب مسألة الحدود. فغدا ما يجري متجاوزاً لما يحصلُ في الجنوب، وحتى لمنطق الحروب والجبهات التقليدية. ليصل اليوم مع هذه الحرب ليطال موقع لبنان نفسه.

عاش لبنان منذ اتفاق الطائف على التوازن الهش. توازن قوامه الدولة الضعيفة، في مقابل قوى الأمر الواقع القويّة والحاكمة. كلّ ذلك في عين مظلات إقليمية ضابطة للإيقاع. توازنٌ ،على علّاته، كان هو الذي يحول دون الانفجار الشامل.

يسقطُ هذا التوازن اليوم. حين تبدو المواجهة، في ظاهرها، امتداداً للصراع بين حزب الله وإسرائيل، لكن مقارنتها مع حرب تموز 2006 تكشف الفارق الجوهري. في العام 2006، خاضت إسرائيل حرباً هدفها الأول كان استعادة الردع. ولكن على الرغم من التدمير الواسع، انتهت الحرب بقرار قرار مجلس الأمن 1701 الذي تمكّن من إعادة تثبيت قواعد الاشتباك الواضحة. جنوب الليطاني منطقة مضبوطة نسبياً، والدولة اللبنانية شريك، شكليّ، في إدارة الأمن.

اليوم، تتجاوز المؤشرات الميدانية هذا الإطار بالكامل. استهداف الجسور، الطرق الدولية، محطات الوقود، وشبكات الإمداد، يذكّر بتكتيكات الأرض المحروقة التي انتهجتها إسرائيل في اجتياحها للبنان 1982. آنذاك لم يكن هدف إسرائيل فقط ضرب منظمة التحرير، إنما تفكيك البيئة التي تحتضنها.

التحول الذي يراه الناظر يقول بصريح العبارة إنّ الحرب انتقلت من حرب على السّلاح إلى حرب فائقة على الشروط التي تسمح بوجود السلاح أصلاً. في الوقت نفسه، يتصرف حزب الله في الحرب هذه كقوة محلية معزولة، وأيضاً بوجهه الآخر كجزء من منظومة إقليمية تقودها إيران.

انتقل الحزب من قوة لبنانية ذات امتداد إقليمي، إلى فاعل إقليمي يعمل انطلاقًا من لبنان. حصل ذلك منذ تدخله العلني في الحرب السورية في العام 2013. ذلك التحول هو ما يفسّر ربط الجبهة اللبنانية اليوم بمسار الصراع مع إيران، بعيداً من خصوصية الداخل اللبناني.

شيئاً فشيئاً يفقد لبنان ما تبقى له من قدرة على التحكم بمصيره. ويبدو الأمر جلياً أنّ قرار الحرب ليس في بيروت. تماماً كما لم يكن قرار السلم فيها يوماً منذ ما قبل حرب الحرب الأهلية اللبنانية. لكن مع فارق مهم أنّ هامش المناورة الذي كان متاحاً آنذاك، عبر التسويات العربية أو الدولية، يتقلص إلى حدوده الدنيا اليوم.

في هذا السياق يبدو الخطر الأكبر محصوراً في ما بعد العمليات العسكرية. ربما لأنّ كل تجربة لبنانية سابقة تشير إلى أن الحروب الخارجية تتحول سريعاً إلى أزمات داخلية. بعد 1982، دخل لبنان في مرحلة صراع على السلطة والهوية استمر سنوات. وبعد 2006، تعمّق الانقسام السياسي وصولًا إلى أحداث 7 أيار 2008. اليوم، يبدو أن لبنان مقبل على لحظة أكثر حدّة.

أيُّ نهاية لهذه الحرب ستعيد طرح السؤال المؤجل. ماذا عن سلاح الحزب؟ وهو السؤال الذي عجزت كل التسويات السابقة، من الطائف إلى 1701، عن حسمه. في حال انتهت الحرب من دون تسوية إقليمية شاملة، سيبقى هذا السلاح عنصر توتر دائم، وسيجد الداخل اللبناني نفسه أمام انقسام حاد بين من يراه ضرورة ومن يراه خطراً وجودياً.

فرضية حصول تسوية كبرى تقول إنّ الضغوط سوف تتجه ليس فقط نحو عمليّة ضبط السلاح وتحجيمه. إنّما سيتعداه نحو إعادة تشكيل النظام السياسي نفسه. في الحالتين، من المستبعد أن يعود لبنان إلى ما كان عليه. ربما لأن ما يتفكك اليوم هو الصيغة الكاملة التي عاش عليها البلد منذ نهاية الحرب الأهلية. لبنان الذي كان ينجو لأنه يملك هامشاً، ها هو يخسر هذا الهامش تدريجياً.

من هنا يمكن للناظر أن يسأل سؤاله الحقيقي بارتياح. السؤال المتجاوز لنتائج المعارك. في هذه الحرب حيثُ لا رابح ولا خاسر، يسأل الناظرُ ما إذا كان لبنان، بفكرته وكيانه، قادراً على البقاء بعد.

محمود وهبة- المدن

The post الصيغة التي عاشها منذ نهاية الحرب تتفكّك: لبنان خارجَ نفسه! appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.

المصدر: Lebanon Files

شارك الخبر عبر منصات التواصل الإجتماعي

تم الاشتراك بنجاح!

إبق على علم بآخر الأخبار عبر الاشتراك بصحيفتنا الإخبارية