في وقت تمسّكت فيه وزيرة التربية، ريما كرامي، خلال مؤتمرها الصحافي أمس، بخيار إجراء الامتحانات الرسمية تحت شعار «حماية قيمة الشهادة الرسمية والحفاظ على صدقيتها»، تظهر في الجنوب صورة ميدانية أكثر تعقيداً، تعكس شعوراً متنامياً بأن تداعيات الحرب لا تُعالج ضمن مقاربة وطنية موحّدة، وأن الجنوب ليس في صلب الاهتمام الرسمي.
وفي التفاصيل، يروي مديرون في ثانويات رسمية في الجنوب كيف تحوّل ملف إداري مثل ملف الترشيح للامتحانات الرسمية إلى عبء يومي شاقّ في ظل الحرب والنزوح، رغم أن الثانويات نفسها كانت قد رفعت اللوائح الاسمية إلى المناطق التربوية، ما يعني أن المعلومات عن الطلاب متوافرة لدى الوزارة. فمع انتهاء مهلة الترشيح في 15 أيار، كان المديرون ينتظرون تنفيذ وعود تلقّوها خلال اجتماعات مع مسؤولين تربويين بتمديد المهلة، بعدما شرحوا استحالة استكمال المعاملات بالآليات العادية في ظل الظروف الأمنية، إلا أن التمديد لم يحصل.
وبحسب هؤلاء، وجد عدد من المديرين أنفسهم أمام خيارين لا ثالث لهما: إمّا التواصل مع «لجنة الميكانيزم» للحصول على إذن يسمح لهم بدخول بلداتهم ومدارسهم الواقعة في مناطق خطرة أمنياً، بمواكبة من الجيش اللبناني، لإحضار ملفات التسجيل والبرامج المحفوظة على أجهزة المدرسة والمستندات المطلوبة، وإمّا شراء حواسيب جديدة وتنزيل برامج التسجيل مجدّداً من وزارة التربية، مع مطالبة الطلاب بتأمين صور شمسية وصور عن إخراجات القيد وسائر المستندات الرسمية، في ظل تشتّت العائلات وصعوبة التنقّل بين المناطق.
ويقول مديرون إن اضطرارهم إلى طلب إذن أمني للدخول إلى مدارسهم بهدف استكمال معاملات إدارية مرتبطة بالامتحانات، كشف حجم الهوة بين القرارات المركزية والواقع الذي تعيشه المدارس في المناطق المتضرّرة، وكيف بات المدير يحتاج إلى إذن خارجي للدخول إلى مدرسته.
مديرون جنوبيون: الحرب تُدار تربوياً كأزمة مناطقية لا وطنية
وبحسب هؤلاء المديرين، فإن نحو 50% فقط من الطلاب تمكّنوا من متابعة التّعليمِ عن بُعد، بعد اندلاع الحرب، ما خلق فجوة واضحة في الجهوزية بين الطلاب المتقدّمين للامتحانات. ويقولون إن كثيرين ما زالوا ينتظرون تحديد الدروس المطلوبة رسمياً، مطلع الأسبوع المقبل، لمعرفة ما إذا كانوا قادرين فعلاً على خوض الاستحقاق، علماً أن المعلومات المتداولة من اجتماعات الوزارة مع المكوّنات التربوية تشير إلى اتجاه لاعتماد الدروس المُنجزة حتى نهاية شباط، أي قبل بدء العدوان الإسرائيلي والتحوّل إلى التّعليمِ أونلاين.
ويشير مديرون أيضاً إلى مشكلة إضافية تتعلّق بآلية توزيع طلاب المناطق المتضرّرة على مراكز الامتحانات في أماكن نزوحهم. فبينما تُقدَّم هذه الآلية كحل تنظيمي، تترك، بحسب المديرين، أثراً نفسياً مباشراً على الطلاب الذين سيخوضون الامتحانات بعيداً عن مدارسهم وأساتذتهم وزملائهم، فيما يعاني كثير منهم أساساً من آثار نفسية مرتبطة بالحرب وفقدان أحبّتهم والنزوح. وفي المقابل، يتقدّم طلاب آخرون إلى الامتحانات داخل بيئة أكثر استقراراً وفي مناطقهم، ما يعمّق، بحسب المديرين، الشعور بعدم تكافؤ الفرص بين الطلاب.
ويعتبر المديرون أنّ العدالة في الامتحانات لا تتحقّق فقط عبر توحيد الأسئلة، بل عبر الاعتراف بتفاوت الواقع بين الطلاب. لذلك، كان يُفترض اعتماد مقاربة أكثر مرونة، تميّز بين الطلاب بحسب مناطقهم وظروفهم، بحيث يُترك لطلاب المناطق الأكثر تضرراً، ولا سيما في الجنوب والبقاع الغربي، خيار التقدّم للامتحانات للجاهزين والراغبين في ذلك، أو الحصول على إفادات، بما يعكس حجم التفاوت الحقيقي الذي فرضته الحرب.
وفي خلفية هذه الوقائع، يبرز شعور متزايد لدى التربويين بأن طريقة إدارة الملف تتجاوز وزارة التربية نفسها، لتعكس غياب مقاربة حكومية شاملة للتعامل مع تداعيات الحرب على القطاع التربوي. فبحسب هؤلاء، تُترك المدارس والإدارات لمواجهة تعقيدات يومية مرتبطة بالنزوح والخطر الأمني والتفاوت التعليمي والضغط النفسي، فيما تُدار الأزمة مركزياً بمنطق إداري موحّد لا يراعي الفوارق العميقة بين المناطق المتضررة وسواها.
وفي المقابل، تتمسّك وزارة التربية بخيار الامتحانات الرسمية بوصفه استحقاقاً وطنياً لا يمكن تعطيله، إلا أنّ العاملين في الميدان يرون أن هذا الخيار، بصيغته الحالية، لا يعكس بالكامل خصوصية الواقع الاستثنائي الذي فرضته الحرب على آلاف الطلاب في الجنوب والمناطق المتضرّرة.
وبين قرار مركزي موحّد وواقع ميداني مُثقل بالحرب والنزوح والخسائر، يعود الجنوب ليطرح سؤالاً يتجاوز الامتحانات نفسها: هل تتعامل الدولة مع الحرب كأزمة وطنية واحدة تستوجب مقاربة استثنائية شاملة، أم كأزمة مناطقية تُترك آثارها لتُعالج بقدرات الإدارات والمدارس وحدها؟
فاتن الحاج- الاخبار
The post الامتحانات الرسمية: الجنوب خارج الحسابات؟ appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.







