في ذروة الحرب الأميركية على إيران والإسرائيلية على لبنان برز أمس مشهد الغارات التي نفذتها إسرائيل على مواقع للنظام السوري رداً على ما وصفته باعتداءات على الدروز في السويداء. مشهد أعاد الجنوب السوري إلى واجهة التصعيد، في وقت كان الرئيس السوري أحمد الشرع يخاطب شعبه والمجتمعين العربي والدولي بعد خطبة العيد بأنه يحرص على إبقاء سوريا على الحياد من الحرب الدائرة في المنطقة.
وبين “حماية الدروز” و”ردع الخصوم”، تتشكل معادلة جديدة في الجنوب السوري. فهل تحوّلت إسرائيل إلى “حامي” دروز السويداء أم توظيف سياسي لملف الأقليات ضمن صراع أوسع؟
مصادر مطلعة على الوضع في الداخل السوري توضح لـ”المركزية” “أنه خلال الأشهر الأخيرة، شددت تل أبيب في أكثر من مناسبة على أنها لن تسمح بإلحاق الأذى بالدروز في سوريا، ملوّحة بردّ عسكري على أي جهة تستهدفهم. ويأتي هذا الخطاب في سياق تقديم إسرائيل نفسها كقوة “حامية للأقليات”، مستندة إلى الروابط الاجتماعية والعائلية التي تجمع دروز سوريا بنظرائهم داخل إسرائيل.
لكن هذا التموضع ، يتجاوز البعد الإنساني ليحمل رسائل سياسية واضحة، سواء إلى الداخل الإسرائيلي أو إلى المجتمع الدولي، مفادها أن أي تدخل عسكري يمكن تبريره ضمن إطار “الحماية”. إلا أن الوقائع الميدانية تكشف مشهداً مناقضاً لهذا الخطاب. فالضربات الإسرائيلية تتركّز أساسًا على مواقع تابعة للنظام السوري أو أهداف تعتبرها إسرائيل تهديدا مباشرا، لا سيما في محيط الجولان. ما يعني أن إسرائيل تمارس تدخلًا انتقائيًا يتكيّف مع تطورات الميدان.
إلا أن هذا الدور لا يحظى بقبول واسع داخل سوريا، بما في ذلك في بعض الأوساط الدرزية. إذ يسود تشكيك في النوايا الإسرائيلية، انطلاقًا من قناعة بأن إسرائيل توظّف ملف الدروز لخدمة مصالحها، وتستخدم خطاب الحماية كأداة سياسية، ولا تقدّم التزامًا حقيقيًا تجاه المدنيين. هذا التشكيك يعززه تاريخ الصراع، حيث يُنظر إلى أي تدخل إسرائيلي باعتباره جزءا من حسابات استراتيجية، لا مبادرة إنسانية..
إقليميا يمثّل الجنوب السوري المتاخم لمرتفعات الجولان خاصرة حساسة في الحسابات الإسرائيلية وأي فراغ أمني أو إعادة انتشار للقوات على الأرض يُنظر إليه كتهديد محتمل، حتى لو كان ناتجاً عن صراع داخلي بحت. من هنا، تكشف المصادر أن إسرائيل، ومنذ اندلاع الحرب السورية، اعتمدت سياسة جديدة تقوم على توجيه ضربات محدودة ومدروسة داخل الأراضي السورية بهدف إيصال رسائل ردع مزدوجة، الأولى موجهة إلى النظام السوري، والثانية إلى طهران و”حزب الله”، ومفادها أن قواعد الاشتباك لا تزال تحت السيطرة الإسرائيلية. وهذا جزء من لعبة الضغط المتبادل، حيث تتحول الجغرافيا السورية إلى ساحة اختبار للرسائل العسكرية والسياسية على حد سواء. إلا أن هذا الطرح يثير تساؤلات عميقة حول أهدافه الفعلية، لا سيما أنه يتقاطع مع سعي واضح إلى تفكيك البيئات الاجتماعية في سوريا وإعادة رسم خطوط الانقسام داخلها”.
حتى الآن، يمكن توصيف السلوك الإسرائيلي في الجنوب السوري بأنه ردع وقائي يهدف إلى منع أي تهديد مباشر لمحيط الجولان. إلا أن توظيف شعار “حماية الدروز” يفتح الباب أمام انتقال تدريجي نحو نمط أكثر اتساعًا، يقوم على إدارة غير مباشرة للمجال الحدودي. إلا أن هذا التحول لا يعني احتلالًا تقليديًا، إنما تحول في استراتيجية الضربات العسكرية من خلال تكثيفها عند كل تصعيد مع فرض خطوط حمراء جديدة على الأرض وإحداث خلل في ميزان القوى داخل السويداء من دون الانخراط المباشر
وفي تفصيل لخارطة مسار التدخل الإسرائيلي في سوريا تطرح المصادر ثلاثة سيناريوهات: الأول وهو الأكثر ترجيحا بحيث تسعى إسرائيل إلى تكريس معادلة ردع جديدة مفادها أن أي تهديد للدروز في الجنوب سيقابل برد عسكري فوري. وفي هذا الإطار قد نشهد على ضربات ضد مواقع النظام أو حلفائه، والتدخل سريعاً عند اندلاع أي مواجهات في السويداء على أن يبقى ضمن سقف مضبوط مع توسيع بنك الأهداف تحت عنوان “منع التصعيد”.
في حال استمرار الاضطرابات، قد تتجه إسرائيل نحو تعميق نفوذها الأمني بشكل غير مباشر عبردعم مجموعات محلية أو قوى أمر واقع، وتقديم مساعدات إنسانية أو لوجستية تحت عنوان الحماية وتعزيز قنوات التواصل مع فاعلين محليين. وهذا النموذج يُعيد إلى الأذهان تجارب سابقة في جنوب لبنان، حيث تم إنشاء مناطق نفوذ من دون أي إعلان رسمي.
أما السيناريو الثالث فيقوم على فرض منطقة عازلة غير معلنة في الجنوب السوري، تمتد عمليًا من الجولان نحو عمق محدود داخل الأراضي السورية. وهذا يعني تصعيدًا عسكريًا أوسع، وإعادة رسم قواعد السيطرة الميدانية، وحصول احتكاكات مباشرة مع الجيش السوري أو قوى حليفة له.إلا أن هذا الخيار يبقى عالي الكلفة، سياسيًا وعسكريًا، ما يجعله أقل ترجيحًا في المدى القريب.
حتى الآن، يبدو أن إسرائيل تستخدم شعار “حماية الدروز” كأداة لتوسيع هامش حركتها العسكرية دون تجاوز الخطوط الحمراء الكبرى.لكن في حال استمرار الفوضى في الجنوب السوري، قد يتحوّل هذا الشعار إلى مدخل لتكريس واقع جديد، حيث تصبح إسرائيل شريكًا غير معلن في إدارة التوازنات الأمنية في المنطقة.
وبين الردع والتوسع، تبقى القاعدة الأساسية التي تحكم السلوك الإسرائيلي واضحة ومفادها أن كل ما يعزّز أمن الجولان ممكن، وكل ما يهدد بتفجير مواجهة شاملة يبقى مؤجلًا.
جوانا فرحات- المركزيّة
The post إسرائيل تقصف الجنوب السوري تحت شعار "حماية الدروز" …المواجهة الشاملة مؤجلة appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.






